في تقديري، تمرّ منطقتنا بمرحلة لا تحتمل الالتباس في توصيف التهديد، ما تتعرض له دول الخليج العربي هو عدوان إيراني سافر تجسّد في صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة وأذرع مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، هذا واقع أمني قائم فرض نفسه ميدانيًا، وأثبت أن التهديد لم يعد احتمالًا نظريًا أو مادة للجدل السياسي، بل ممارسة عملية تستهدف الأمن والاستقرار.
دولة الإمارات، كسائر دول الخليج، لم تتعامل مع هذا التهديد بالبيانات، بل استخدمت منظوماتها الدفاعية والعسكرية لاعتراض الهجمات وكسر موجاتها، وقد عايشنا هذه الهجمات لحظة بلحظة ضمن واقع ميداني فرض قرارات فورية ومسؤولة لحماية أمننا الوطني. الأمن القومي لم يكن موضوع خطاب، بل اختبارًا مباشرًا في الميدان.
في ظل هذا الواقع، يصبح تحديد من يعتدي ومن يدافع أمرًا واضحًا، ومن يستخدم الصواريخ والوكلاء لفرض نفوذ بالقوة هو الطرف الذي يكنّ العداء فعليًا، لا من يبني شراكات لحماية الاستقرار. الوقائع لا تُعاد صياغتها بالشعارات، ولا تُقلب بالمزايدات.
وفي خضم هذا المشهد العدواني، ظهرت أصوات تحاول تقديم تعاطفها مع ما تتعرض له دول الخليج، لكنها تربط هذا التعاطف بشرط واضح: القبول بسردياتها الأيديولوجية وترديد خطاب الكراهية تجاه إسرائيل أو اليهود أو الغرب المسيحي. هذا النوع من التعاطف المشروط لا يحمل تضامنًا حقيقيًا، بل محاولة لفرض أجندة فكرية على حساب واقع أمني معقد.
والحقيقة، أنه عندما يُختزل العدوان الإيراني الذي تتعرض له دول الخليج في خطاب عاطفي مشروط بالتماهي مع الكراهية تجاه دولة إسرائيل أو اليهود أو الغرب، فإن هذا الطرح لا يمثلنا ولا يعكس طبيعتنا السياسية أو منظومتنا القيمية. محاولات تصدير هذا النوع من التطرف الفكري إلينا مرفوضة بالكامل، لأن سياسات الدول لا تُبنى على الكراهية ولا على صناعة عداوات أيديولوجية. من يختار هذا المسار فله أن يسلكه بعيدًا عنا، أما نحن فنرفضه وننبذ ظلاميته، ونتمسك بإدارة علاقاتنا وشراكاتنا وفق ما يخدم أمننا القومي واستقرار منطقتنا على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل بين الدول.
وعندما يصل الخطاب لدى بعض الأصوات إلى حد التشفي بما تتعرض له دول الخليج، بل إلى التمني الصريح بأن تقصف إيران مدننا وتمحى دولنا من الوجود، فإن ذلك يكشف بوضوح طبيعة هذا الخطاب ومصدره الحقيقي. هذا النمط من العداء ليس جديدًا علينا، وقد خبرناه مرارًا عبر السنوات في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى في المنطقة. لذلك لا نتعامل معه بوصفه صدمة، بل بوصفه تذكيرًا واقعيًا بطبيعة العلاقات في الإقليم.
بلاشك، ليست كل قضايا الآخرين قضايانا، كما أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على العواطف ولا على شعارات التضامن، بل على المصالح الواضحة والمتبادلة، ومن يختار خطاب الكراهية أو يتمنى الدمار لدولنا يكشف عن موقعه الحقيقي في معادلة الاستقرار، أما نحن فنواصل إدارة علاقاتنا وقراراتنا السيادية وفق ما يخدم أمننا القومي واستقرار منطقتنا، لا وفق ما يرضي مزايدات خطابية أو حسابات أيديولوجية عابرة.
التجربة التي مرت بها منطقتنا خلال العقود الماضية، بما حملته من أزمات وحروب وتحديات أمنية متلاحقة، كوّنت لدى دول الخليج العربي خبرة متراكمة في إدارة التهديدات والتعامل مع المخاطر، فهذه الدول لم تصل إلى موقعها الحالي بالصدفة، بل عبر بناء قدرات دفاعية متطورة وشبكة شراكات استراتيجية تنبع من سيادة القرار الوطني واستقلاله، ولذلك فإن التعامل مع أي عدوان لا يتم بردود فعل عاطفية أو اندفاعات انفعالية، بل عبر استراتيجيات مدروسة تمكّننا من حماية أمننا الوطني والتعامل مع التهديدات بكفاءة وثقة.
وفي في خضم هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود الخلافات السياسية التقليدية: ما هو المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة منذ عقود؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتطلب اجتهادًا نظريًا كبيرًا، بل قراءة هادئة لمسار الأحداث في المنطقة خلال العقود الماضية. فمصدر الاضطراب لم يكن يومًا خيارات الدول التي تسعى إلى بناء شراكات اقتصادية أو أمنية لحماية استقرارها، بل السياسات التوسعية التي اعتمدت على استخدام الوكلاء المسلحين، وتمويل الميليشيات، وتصدير الأزمات إلى الدول المجاورة. هذه المقاربة لم تنتج نفوذًا مستقرًا، بل بيئة دائمة من الصراع وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقابلة مع قناة فوكس نيوز الأمريكية إن "95% من مشكلات الشرق الأوسط سببها إيران وشبكة الإرهاب التي أنشأتها"، مؤكدًا أن إزالة هذا النظام تفتح الباب أمام اتفاقيات سلام إضافية مع دول عربية وإسلامية، وأن المسار المطروح ليس بوابة حرب لا تنتهي، بل بوابة سلام. والحقيقة، أن هذا التوصيف ينسجم مع واقع تعايشه دول الخليج ميدانيًا؛ فمصدر عدم الاستقرار في المنطقة لم يكن يومًا خيارات الدول التي تبني شراكات لحماية أمنها، بل السلوك التوسعي الإيراني وشبكة أذرعه المسلحة التي تعمل خارج منطق الدولة، وهذا ما تؤكده الوقائع التي نعيشها على الأرض.
البيئة الإقليمية لا تنفصل عن تحولات النظام الدولي، والتنافس بين القوى الكبرى، وتبدّل أولويات العواصم المؤثرة، وتصاعد أدوار قوى تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ، كلها عوامل تعيد تشكيل معادلة الأمن في الشرق الأوسط، كذلك فإنه وفي هذا السياق، لا يمكن لدول الخليج أن تبقى رهينة حسابات خارجية متغيرة، فالشراكات الإقليمية المتقدمة تمثل عنصر استقرار ذاتي يمنح المنطقة هامش حركة أوسع في بيئة دولية غير مستقرة.
وفي هذا الإطار، تأتي علاقة دولة الإمارات بإسرائيل كخيار استراتيجي واعٍ يشكّل ركيزة لشراكة متقدمة تسهم في بناء منظومة استقرار إقليمي أوسع تقوم على الثقة المتبادلة والالتزام العملي بحماية أمن المنطقة، إن هذه العلاقة لم تُبنَ على انفعال، بل على قراءة واقعية لطبيعة المخاطر الإقليمية وتداخلها مع التحولات الدولية. نحن نقيم شركاءنا بمدى جديتهم ومواقفهم العملية عند الاختبار، لا بحدة خطابهم ولا ببلاغة بياناتهم. الشريك الحقيقي هو من يثبت التزامه بالأمن والاستقرار عندما تتعرض المنطقة للاختبار.
من المؤكد، أن كلفة بناء شراكات متقدمة أقل بكثير من كلفة ترك الفراغ الاستراتيجي يُملأ من قبل قوى توسعية لا تشاركنا رؤية الاستقرار، فالفراغ في هذه المنطقة لا يبقى محايدًا، بل يتحول سريعًا إلى مساحة نفوذ لمن يستخدم القوة لفرض أجندته. ولهذا فإن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة، بل القدرة على اختيار الشركاء الذين يثبتون جديتهم في حماية الاستقرار واحترام سيادة الدول. نحن نقيم علاقاتنا وفق هذا المعيار الواضح، لا وفق ضغوط أيديولوجية أو مزايدات خطابية.
خيارنا واضح: حماية أمننا الوطني، وبناء شبكة شراكات موثوقة، ومواجهة التهديدات بواقعية وثقة، هذه ليست لحظة تردد، بل لحظة وضوح استراتيجي في منطقة تتشكل موازينها من جديد.



















































