مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت عدداً من دول الخليج في الأزمة الأخيرة – وكان لدولة الإمارات نصيب كبير منها – لم يكن الاختبار عسكرياً وأمنياً فحسب، بل كان اختباراً سياسياً كاشفاً لطبيعة العلاقات في المنطقة. فمع تصاعد التهديد المباشر للأمن الخليجي ظهرت الانقسامات العربية القديمة إلى السطح، وخرجت الخطابات العدائية من بعض المنابر، وكأن الأزمة تعمل ككاشف سياسي يعيد إظهار ما حاولت المجاملات الدبلوماسية إخفاءه لسنوات، فالحروب لا تصنع الحقائق بقدر ما تكشفها، وربما كانت الحقيقة الأكثر قسوة في العالم العربي أن ما يسمى بالتضامن العربي لم يكن في كثير من الأحيان سوى قشرة دبلوماسية رقيقة تخفي تحتها تناقضات عميقة وصراعات مؤجلة.
ومن وجهة نظري كمراقب للمشهد الاستراتيجي، فإن أخطر ما تكشفه الأحداث الحالية ليس فقط الانقسام السياسي، بل طبيعة الخطاب الذي يخرج من بعض العواصم والتيارات العربية، فبدلاً من التعامل مع التهديدات الإقليمية التي تمس أمن المنطقة ككل، نرى خطاباً يهاجم دول الخليج ويشكك في خياراتها الاستراتيجية، بل ويصل في بعض الحالات إلى تبرير سياسات إيران أو التغاضي عنها، ولهذا لا ينبغي أن يثير الاستغراب أن تتحول بعض المنابر الإعلامية والتيارات الأيديولوجية إلى ما يشبه مكبرات صوت للدعاية الإيرانية في لحظات الأزمات.
التاريخ القريب يقدم أمثلة أخرى يصعب تجاهلها، فعندما اجتاح العراق الكويت عام 1990، لم تتوحد المواقف العربية خلف مبدأ واضح يرفض العدوان بين الدول العربية، بل انقسمت المنطقة بين مؤيد ومعارض ومتردد، يومها انكشف بوضوح أن ما كان يسمى بالنظام العربي لم يكن في الحقيقة سوى مظلة هشة تخفي تحتها تناقضات عميقة في الرؤية والمصالح، لقد كانت تلك اللحظة صدمة سياسية كشفت أن الشعارات القومية التي ملأت الخطاب السياسي لعقود لم تكن كافية لبناء نظام إقليمي متماسك.
ما يزيد الصورة وضوحاً أن هذا الخطاب لم يعد مقتصراً على بعض الحكومات أو القوى السياسية، بل أصبح حاضراً بقوة في جزء من الإعلام العربي ومنصات التواصل الاجتماعي. فمع كل أزمة إقليمية تتكرر الظاهرة ذاتها: حملات إعلامية تتهم دول الخليج بكل شيء، من "الخيانة" إلى "التبعية"، بينما يجري التغاضي عن مصادر الفوضى الحقيقية في المنطقة، بل إن بعض الأصوات التي تعيش في دول تعاني أزمات اقتصادية وسياسية عميقة لا تتردد في مهاجمة نماذج الاستقرار والتنمية الخليجية، وكأن المشكلة ليست في فشل تلك الدول في إدارة شؤونها، بل في نجاح الآخرين في بناء مسارات مختلفة.
إن أحد الدروس الاستراتيجية الواضحة التي كشفتها الأزمات الأخيرة يتمثل في ضرورة تعزيز المظلة الدفاعية عبر توسيع القواعد الأجنبية وزيادة حجم القوات المستضافة، بما يعزز القدرة الردعية ويقلل من مستوى المخاطر في بيئة إقليمية مضطربة، وفي المقابل أثبتت التجارب أن الاعتماد المفرط على بعض الدول الإقليمية ذات الأجندات الخاصة لا يمكن أن يشكل ضمانة حقيقية للاستقرار، بل قد يتحول في بعض الأحيان إلى مصدر إضافي لعدم اليقين.
ومن هذا المنطلق فإن القرارات المرتبطة بالأمن الوطني يجب أن تبقى شأناً سيادياً خالصاً لا يقبل التدخل أو الابتزاز السياسي، أما الاعتراضات التي قد تصدر في هذا السياق فيجب التعامل معها بقدر من الحزم الذي تفرضه المصالح الوطنية. فالعلاقات بين الدول لا تقوم على الشعارات أو المجاملات، بل على البراغماتية والمصالح المشتركة الواضحة؛ وما عدا ذلك لا يمثل حاجة استراتيجية ولا يستحق أن يُبنى عليه أي حساب سياسي.
وفي ضوء هذه التجارب المتراكمة يبدو من الضروري إعادة صياغة المقاربة للعلاقات الإقليمية وفق مجموعة من المبادئ الواقعية التي تفرضها طبيعة البيئة السياسية في الشرق الأوسط، أول هذه المبادئ هو التعامل مع العلاقات العربية بوصفها علاقات إدارة جوار سياسي أكثر من كونها تحالفات استراتيجية، أي الحفاظ على قنوات الاتصال والتعاون دون افتراض تلقائي لوجود تضامن دائم.
المبدأ الثاني يتمثل في بناء منظومات حماية سياسية واقتصادية وأمنية تقلل من الاعتماد على البيئة الإقليمية المضطربة عبر تنويع الشراكات الدولية وتعزيز الروابط مع القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى، أما المبدأ الثالث فيتعلق بإدارة الفضاء الإعلامي والسياسي بحزم أكبر، خصوصاً في مواجهة حملات التحريض أو التشويه التي تظهر في بعض المنابر العربية خلال الأزمات بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع تحويل البيئة الإعلامية إلى ساحة ضغط سياسي.
والمبدأ الرابع، وهو ربما الأهم، يتمثل في التعامل الواقعي مع التوازنات الديموغرافية والسياسية في المنطقة ووضع سياسات واضحة لحماية الاستقرار المجتمعي من أي محاولات إغراق سياسي أو أيديولوجي يمكن أن يستغل الانفتاح الاقتصادي أو الاجتماعي لتحقيق أهداف تتعارض مع الأمن الوطني.
الحقيقة، أنه في الشرق الأوسط تحديداً أثبتت التجارب أن الدول لا تُحترم إلا بقدر ما تملك القدرة على حماية نفسها والدفاع عن مصالحها، فالجغرافيا قد تفرض الجوار بين الدول لكنها لا تفرض الثقة بينها، ولهذا فإن الأمن الوطني لا يمكن أن يُدار بالعواطف أو المجاملات السياسية، بل بحسابات دقيقة للقوة والمصالح وبالقدرة على اتخاذ القرار السيادي بعيداً عن الضغوط والشعارات.



















































