من خلال متابعة ما ينشره قيادات حماس وأتباعها والمطبلين لها، ننصدم برغبتهم الدفينة والمتكررة في دفع شعبهم، طفلاً وامرأة ورجلاً، إلى الموت تحت شعار الشهادة والصمود، من أجل صناعة صورة زائفة عن البطولة والشجاعة. في حين لم يُسمع يوماً عن واحد من هؤلاء القادة أو المنظّرين أو المصفقين يقول بوضوح: اقتلوني أنا واقتلوا أطفالي وعائلتي، بل إن الطلب بالموت يُوجَّه دائماً إلى بقية الفلسطينيين، إلى سكان المخيمات والأحياء الفقيرة وأبناء العائلات المنهكة، بينما تُهرَّب عوائل القيادات وكوادر الصف الأول إلى الخارج حيث الأمان والرفاه، في انفصام أخلاقي مروّع بين ما يرفعونه من شعارات وما يمارسونه فعلياً.
هذا التيار من المناضلين عن بعد يكشف عن أحد أبشع وجوه الانحطاط الأخلاقي في التجربة الفلسطينية المعاصرة؛ فبينما تُدفن العائلات تحت الركام في غزة، تتوزّع زوجات وأبناء بعض قيادات حماس بين فنادق الدول الإقليمية، ثم يطلّ هؤلاء على الشاشات ومنصّات التواصل ليطالبوا الناس بمزيد من الدم، ومزيد من الجثث، ومزيد من الأطفال المشوّهين، وكأنهم يتحدثون عن أرقام في بيان إحصائي لا عن أرواح بشرية لها أسماء ووجوه وذكريات. هذا الانفصام بين الخطاب والواقع لم يعد مجرّد تناقض فردي، بل تحوّل إلى حالة مرضيّة مستعصية، تُنتج طبقة سياسية ومرتزقة تعيش على تجارة الموت، ومشروع مالي واستثماري مربح في الجثث والأنقاض.
الحقيقة، في هذه الحالة المرضيّة تحديداً، يصبح الموت ليس قدراً يُفرض على الناس، بل سلعة تُسوَّق بشعارات دينية وثورية، ويتحوّل القيادي في حماس أو بقية المرتزقة إلى تاجر حرب يرفع صوت المزايدة الدينية والسياسية ليغطي على حقيقة بسيطة، وهي أن أولاده في الأمان، وأولاد الآخرين في الأكفان.
لن نتفاجأ، عندما نجد عينات مريضة نفسيا من شخصيات تتلذذ وتتمتع بموت شعبها وتدعو له بالموت والمآسي، تكتب وتنشر جملة دموية تدعو فيها عملياً إلى "اقتلاع روح غزة وإلقائها في البحر وتعليق أطفالها على الأعواد"، كما نشرها معتوه منهم، بينما يجلس مطمئناً إلى أن اسم طفله لن يظهر في أي قائمة شهداء، وأن صورته لن تتصدّر جداراً مغطّى بإعلانات العزاء. الأخطر أن مثل هذا الخطاب لا يُقال في لحظة انفعال عابر، بل يُقدَّم بوصفه قمّة الإيمان وذروة الانتماء، وكأن معيار الصدق مع القضية هو مقدار استعدادك للتضحية بأطفال غيرك لا بأطفالك أنت.
هنا تتجلى صور متكررة لشخصيات سيكوباتية، تطلب من شعب مختطف أن يموت دفاعاً عن المشروع، لكنها لا تقبل للحظة أن تخسر أحد امتيازاتها، لا في الحسابات المصرفية، ولا في الإقامات الذهبية، ولا في حياة الترف التي يعيشها أبناؤهم في الخارج، وحين تتحول الشهادة عندهم إلى شعار معلّب، يستحضر في الخطب والتغريدات، ثم يعاد تدويره في جولات التسول والاستجداء السياسي والمالي، ليحصلوا باسم صمود غزة على دعم إضافي، وباسم دماء الشهداء على شرعية إضافية، وباسم “شلاء الأطفال على مساحة أكبر في مواقع التواصل الالكترونية والفضائيات.
الأخطر أن هذه الممارسات ليست فشلاً تكتيكياً عارضاً، بل سياسة واعية تتبنّاها حماس المرتزقة، تقوم على تقديم ضحايا من شعبها بلا حدود، لا لتحقيق نصر عسكري، بل لاستخدام الجثث أداةً لاستدرار التعاطف الدولي وفرض ضغوط سياسية ودبلوماسية على إسرائيل لوقف عملياتها، بعد كل هجوم إرهابي تختبئ الحركة في أعقابه عمداً بين المدنيين.
ولا يعود هذا توصيفًا تحليليًا فحسب، بل يتأكد بكلمات قادة حماس أنفسهم، ففي حديث مصوَّر ليحيى السنوار، عبّر فيه بوضوح صادم عن هذا المنطق، قائلاً حرفياً: "نحن في حركة حماس وجماهير شعبنا من ورائنا، جاهزون لأن نكون كأصحاب الأخدود. وقصة أصحاب الأخدود معروفة لجماهير أمتنا وشعبنا. نحن جاهزون لأن نفنى جميعاً حتى آخر طفل فينا. قلنا ونقول ونكرر إننا جاهزون لأن نُقتل عن بكرة أبينا، وأن نُحرق كما حُرق أصحاب الأخدود.
هذا التصريح لا يترك مجالاً للتأويل، فالقيادة تعلن استعدادها لفناء جماعي كامل، بما في ذلك الأطفال، وتقدّمه كخيار أخلاقي وديني، بينما يبقى هذا الفداء مطلوباً من الضعفاء والفقراء والمهمشين وحدهم، لا من القائد ولا من عائلته، الذي ارسل عائلته للخارج وكان هاربا حتى اتاه الموت.
لذلك يستسهل هؤلاء الحديث عن الموت الذي جلبوه بخطاياهم لشعبهم وكأنها قدر محتوم ينبغي التسليم به لا مواجهته بأي ثمن، ويمرّرون خطاباً دينيا مريحاً، من مات فهو إلى الجنة، ومن بقي فعليه أن يستعد لدورة جديدة من الموت، أما القائد وأسرته كما عبروا عنهم في حديث اخر فحسابهم مختلف، فهم أمانة المشروع ورأس الحربة الذي يجب أن يظل بعيداً عن الخطر.
في المحصلة، خلاصة المشهد أن حماس وأتباعها ومن يطبّل لها قدّموا نموذجاً فاضحاً للنفاق السياسي والأخلاقي؛ يرفعون راية الشهادة بأصوات عالية، لكنهم يحرصون على أن تكون الشهادة دائماً من نصيب الآخرين. أرواح شعبهم، في هذا النموذج، ليست أمانة بل رصيداً يُستهلك في سوق الخطاب والحسابات الضيقة، بينما تُمنح حياة القادة وعائلتهم في الدول الإقليمية واوروبا قداسة خاصة لا يمسّها الخطر ولا تقربها النار.
هنا تتعرّى الحقيقة المؤلمة، أمام فئة متاجرة لا ترى في دماء الفلسطينيين إلا سلماً إلى نفوذ أكبر وشرعية أطول، يصبح واجب كل من يحمل قدراً من الضمير أن يفضح هذا النفاق بلا خوف، وأن يعلن بوضوح أن أرواح الناس أغلى من كل الشعارات، وأن القضية أسمى من أن تُترك رهينة في يد من يتاجرون بها بهذا القدر من البشاعة والإنحطاط الإنساني والأخلاقي.




















































