من تابع تفاصيل عملية القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وطريقة نقله وإخضاعه للإجراءات الأمريكية، يدرك أن ما جرى يتجاوز إطار الملاحقة الجنائية التقليدية، ويتصل بسياق أوسع يتعلّق بكيفية تعريف واشنطن لاستخدام القوة خارج حدودها. وبالتالي يتزامن اعتقال مادورو ونقله إلى نيويورك مع لحظة فارقة في إعادة تعريف الولايات المتحدة لأدوات الردع والسيطرة، وهي لحظة لا يمكن، في تقديري، قراءتها كعملية أمنية معزولة أو استجابة ظرفية لملف جنائي، بل كحلقة متقدمة في مسار بدأ باغتيال قاسم سليماني، وتدرّج نحو نمط أكثر جرأة في التعامل مع الخصوم المصنّفين تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.
يمكن تتبّع هذا التحول بوضوح من خلال مقارنة النماذج التطبيقية التي اعتمدتها واشنطن في التعامل مع خصومها المصنّفين تهديدًا مباشرًا، ففي الحالة الإيرانية مثلا، شكّل اغتيال سليماني عام 2020 نموذجًا تأسيسيًا لاستخدام القوة بوصفها رسالة سياسية بقدر ما هي أداة ردع. فالقضاء عليه، وفق التصنيف الأمريكي، جاء باعتباره داعمًا للإرهاب ومجرمًا خطيرًا يشكّل تهديدًا مباشرًا، ما دفع واشنطن إلى تجاوز المسار القضائي التقليدي وقبول مخاطر التصعيد. اليوم، يعود المنطق ذاته بصيغة مختلفة في فنزويلا، لكن مع تطور نوعي بالغ الدلالة: بدل تصفية الهدف جسديًا، تم اعتماد خيار «الاعتقال العابر للحدود» لرئيس دولة ونقله لمحاكمة جنائية داخل الولايات المتحدة.
هذا التحول من الإغتيال المستهدف إلى مايسمى بالاعتقال العابر للحدود لا يعكس تطورًا تقنيًا فحسب، بل انتقالًا في العقلية الحاكمة. من وجهة نظري كمراقب، تسعى واشنطن هنا إلى إعادة تعريف الخصم لا كعدو سياسي فقط، بل كمجرم دولي يخضع لقانون أمريكي يتمدد جغرافيًا، بلا اعتراف فعلي بالسيادة الوطنية للدول المارقة والراعية للإرهاب.
في الحقيقة، ما تخشاه واشنطن ليس الدولة المارقة بحد ذاتها، بل الدولة التي تختبئ خلف السيادة لتمويل الإرهاب ثم تطالب بالحماية القانونية نفسها التي تتمتع بها الدول المنضبطة. هنا تحديدًا يتحول الدعم السياسي والمالي للتنظيمات المسلحة إلى فعل انتحاري سيادي. فالدول التي راهنت طويلًا على استخدام الإرهاب كأداة نفوذ غير مباشر، أو كوسيلة ابتزاز سياسي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة، من يرعى الإرهاب لا يُعامَل كخصم سياسي، بل كملف أمني مفتوح، بلا حصانة، وبلا خطوط حمراء، وهذا ليس انحرافًا عن القانون بقدر ما هو انهيار متعمد لفكرة السيادة حين تُستخدم غطاءً للجريمة العابرة للحدود.
في نفس هذا السياق، تبرز سابقة مانويل نورييغا في بنما عام 1989 بوصفها مرجعية تاريخية واضحة؛ آنذاك، لم تكتفِ الولايات المتحدة بإسقاط نظام تعتبره معاديًا، بل جرّدت رأسه من صفته السيادية ونقلته أسيرًا إلى ميامي للمحاكمة في قضايا تهريب مخدرات. الفارق اليوم أن واشنطن لم تعد بحاجة إلى غزو واسع النطاق؛ فالعملية باتت أدق، وأسرع، وأقل كلفة سياسيًا. في الحالتين، نورييغا ومادورو، يتكرّس النموذج ذاته، وهو تحويل رئيس دولة من فاعل دولي إلى ملف جنائي داخل منظومة أمنية عابرة للحدود، منظومة لم تعد تعترف بالحدود كعائق، ولا بالسيادة كدرع، بل تتعامل مع الدول كوحدات قابلة للإدراج أو الإقصاء وفق تعريفها الخاص للتهديد.
وهنا نجد بوضوح شعار أمريكا أولًا، الذي طُرح في بداياته كبرنامج اقتصادي لإعادة ترتيب الداخل، تحوّل تدريجيًا إلى عقيدة أمن قومي صلبة. السؤال الحاكم لهذه العقيدة بات واضحًا: ما الذي يمس مباشرة أمن المواطن الأمريكي وحدود الدولة واقتصادها؟ ووفق هذا المنطق، يُعاد تعريف التهديد، وتُعاد صياغة الأولويات، وتُختصر المسافة بين القرار السياسي والتنفيذ القسري.
الحقيقة، أن اعتقال مادورو يُسوَّق في الداخل الأمريكي بوصفه انتصارًا ضد نظام مارق يقوم على تجارة المخدرات، وضد إرهاب مرتبط بالمخدرات عابر للحدود، وفق توصيفات قضائية وأمنية أمريكية. بعد هذا التعريف، تتحول العملية إلى رسالة داخلية بأن الإدارة الامريكية قادرة على ترجمة خطابها إلى فعل، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات عن بُعد.
تاريخيًا، اعتمدت الولايات المتحدة على طيف واسع من أدوات الردع، من العقوبات والعزل إلى التدخل العسكري المباشر، غير أن ما نشهده اليوم هو انتقال إلى نمط الضربات النموذجية التي تستهدف رموزًا سيادية بعينها، مع تقليص الانخراط البري الواسع والحفاظ على هامش إنكار سياسي محدود. ليست التفاصيل العملياتية هنا هي الأهم، بل اللغة الجديدة للقوة، في استهداف الرأس، كسر الغطاء السيادي، وتحويل الردع إلى سابقة قابلة للتكرار.
ما بين اغتيال سليماني واعتقال مادورو، لم تعد الرسالة الأمريكية موجهة للأفراد فقط، بل للأنظمة المارقة والارهابية التي اعتقدت أن تمويل الإرهاب أو توظيفه يمكن أن يبقى خارج كلفة المحاسبة. المرحلة الجديدة تقول بوضوح، أن الدولة التي تدعم الإرهاب تفقد تدريجيًا حقها في الادعاء بالسيادة الكاملة، حيث لم يعد الأمر تحذيرًا دبلوماسيًا ولا نزاعًا قانونيًا، بل معادلة قوة تُفرض بالفعل لا بالبيانات. في هذا العالم، السيادة لم تعد صفة ثابتة، بل امتيازًا يُسحب ممن يحوّلها إلى مظلة للجريمة، ومن يخطئ في قراءة هذه الحقيقة، لن يخسر موقعه السياسي في أعين واشنطن فحسب، بل قد يخسر تعريفه كدولة من الأساس.




















































