طوال ما يقرب من نصف قرن، تعامل العالم مع إيران انطلاقاً من فرضية تبدو منطقية، وهي أن مصدر الخطر يقع "فقط" في النظام "الديني" الذي أقامته الثورة عام 1979، ولذلك فقد توزعت السياسات الغربية بين احتوائه، وتغيير سلوكه، وإضعاف قدراته، أو انتظار سقوطه من الداخل، غير أن حصيلة هذه المقاربات تفرض سؤالاً أصعب. لماذا يعود التهديد الإيراني كلما ظن خصوم طهران أنهم نجحوا في تحجيمه؟ ربما ركز العالم طويلاً على هوية من يحكم إيران، وترك جانباً البنية التي تمنح السلطة المركزية القدرة على إعادة بناء مشروع القوة كلما تبدلت الظروف.
بلا شك، فإن المعضلة الحقيقية تتجاوز البرنامج النووي والترسانة الصاروخية وشبكات الوكلاء، فهذه أدوات يمكن تعطيلها أو تدمير أجزاء منها، لكنها تنشأ داخل دولة كبيرة تملك كتلة سكانية ضخمة، وموارد طاقة، وقاعدة علمية وصناعية، وعمقاً جغرافياً، ومؤسسات عسكرية راكمت خبراتها عبر عقود، وبالتأكيد، فإن خسارة المنشآت والقيادات والمخزونات لا تمحو المعرفة ولا تلغي القدرة على التعافي. قد تنكسر الأداة، فيما تبقى الآلة قادرة على إنتاج بديل جديد.
بحسب التجارب السابقة، فلقد تعاملت السياسات الدولية مع إيران باعتبار أن قدراتها يمكن تدميرها، لكنها لم تجب عن السؤال الأصعب: كيف يمكن منع دولة كبيرة ومركزية، تمتلك السكان والموارد والمعرفة، من إعادة بناء ما خسرته حين تتغير الظروف؟ هنا تتحول المعضلة من مسألة نزع سلاح إلى مسألة بنية دولة، ومن سؤال من يحكم إيران إلى سؤال كيف تدار مصادر القوة داخلها.
دعونا نراجع تجربة سابقة تؤكد هذه الفجوة، الاتفاق النووي لعام 2015 قيّد أجزاء من البرنامج النووي، لكنه لم يغير تصور طهران لدورها الإقليمي، ولم يوقف تطوير الصواريخ أو توظيف الوكلاء، واغتيال قاسم سليماني عام 2020 أحدث صدمة داخل الحرس الثوري، إلا أن شبكات النفوذ واصلت عملها بعد إعادة ترتيب أدوارها، كما أثبتت الضربات التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية قدرتها على الإيلام والتعطيل، من دون ضمان منع إعادة البناء لاحقاً، وهكذا اقترب الاحتواء من إدارة دورات متعاقبة من التوسع والضرب وإعادة التسلح.
من هنا تبدو الدعوة إلى إسقاط النظام الإيراني حلاً ناقصاً متى عوملت بوصفها نهاية المعضلة، فالنظام الإيراني يمنح المشروع الإيراني عقيدته، بينما تمنحه الدولة المركزية موارده وثرواته. وتغيير النظام من دون تغيير طريقة إدارة عناصر القوة فيها قد يبدل الخطاب، لكنه لا يضمن تبدل الاتجاه. فقد يأتي نظام أقل أيديولوجية وأكثر اهتماماً بالاقتصاد، غير أن الجغرافيا والمصالح القومية والقدرات الكامنة لا تختفي بتغير القيادة، وقد يعاد تقديم الطموح الإقليمي القديم والمتجدد بلغة قومية بدلاً من لغة الثورة.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اعتبار الدولة الإيرانية محكومة بعدوان دائم، فالدول عادة، تستطيع تغيير سلوكها عندما تتغير مؤسساتها وعقيدتها العسكرية وعلاقة السلطة بالمجتمع. فالمطلوب ليس إضعاف إيران إلى ما لا نهاية، وإنما منع اجتماع عناصر القوة المركزية غير المقيدة مع العقيدة التوسعية واحتكار القرار العسكري. وفي الجهة المقابلة، لا يقدم التفكك الفوضوي للدولة الايرانية حلاً آمناً، فالتنوع الداخلي وانتشار السلاح وموقع إيران قد يحولان الانهيار إلى حروب أهلية وتدخلات خارجية واضطراب واسع في الطاقة والممرات التجارية.
لهذا يبدأ المسار الأكثر استدامة من داخل إيران، مع الإقرار بأن الإيرانيين وحدهم يملكون حق اختيار نظامهم وصيغته المناسبة. فاللامركزية الواسعة أو الفيدرالية، وربما الصيغ الكونفدرالية إذا نشأت بإرادة وطنية وتوافق دستوري، يمكن أن تحد من احتكار المركز للثروة والقرار، وتمنح الأقاليم دوراً أكبر في إدارة الموارد والموازنات، وتضع قيوداً مؤسسية على توجيه مقدرات البلاد نحو التوسع الخارجي، أما فرض هذه النماذج من الخارج فسيمنح السلطة فرصة لتقديم نفسها حامية لوحدة البلاد، وقد يحول مشروع الإصلاح إلى ذريعة لمزيد من القمع.
ولا تعني اللامركزية أن إيران ستتحول تلقائياً إلى دولة مسالمة، فالبنية الدستورية وحدها لا تلغي الطموحات القومية أو الصراعات الخارجية، فقيمتها أنها ترفع كلفة احتكار القرار، وتوزع الرقابة على الموارد، وتجعل توظيف الدولة في مغامرة طويلة أكثر احتياجاً إلى التوافق والمساءلة، إنها قيد على الاندفاع، وليست ضمانة مطلقة لحسن السلوك.
لا يحتاج العالم إلى عدو إيراني دائم يبرر التحالفات والإنفاق العسكري، كما أن إسقاط النظام من دون تصور لليوم التالي قد ينتج أزمة أشد خطراً، الحاجة الحقيقية هي إنهاء قابلية التهديد للتجدد، عبر تحجيم القدرات الهجومية، وإصلاح مؤسسي يوزع القوة داخل إيران، وردع إقليمي يمنع الابتزاز، ومسار دبلوماسي يربط الاندماج بتغير السلوك.
لقد نجح العالم مرات عديدة في إبطاء المشروع الإيراني، لكنه لم ينجح في إزالة القدرة على استعادته، وقد يسقط النظام يوماً، غير أن سقوطه لا يعني اختفاء العناصر التي صنعت القوة الإيرانية، فإذا بقيت بنية تسمح لسلطة مركزية بتعبئة السكان والموارد والمعرفة لخدمة مشروع خارجي، فقد يكون الانتصار هدنة بين جولتين. أما النجاح الحقيقي فيبدأ حين تتحول قوة إيران من مصدر خوف لجوارها إلى قوة تقيدها المؤسسات وتوجهها مصالح المجتمع، عندها فقط تنتهي المعضلة، لأن الخطر لن يكون قد تلقى ضربة جديدة، وإنما فقد البيئة التي كانت تعيده إلى الحياة.











