أبوظبي تُدخل إيران في معادلة الكُلفة

نُشر هذا المقال في صحيفة العرب بتاريخ 27 أغسطس 2026.
لم يكن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يطلق مجاملة دبلوماسية عندما تحدث عن قرار الإمارات وقف التعاملات التجارية والمالية مع إيران. وعندما سُئل عما إذا كانت أبوظبي تقود الطريق بعد الدعوة الأميركية إلى قطع التعامل مع طهران، أجاب بأن الإجراءات الإماراتية لم تكن مجرد مصادفة، ورجح وجود علاقة سببية بينها وبين التحرك الأميركي، ثم أضاف أن الإمارات شريك مهم للولايات المتحدة وقد تحملت العبء الأكبر من الهجمات الإيرانية في الخليج.
بهذه الإجابة وضع بيسنت القرار الإماراتي داخل مشهد أكبر، إذ بدأت المواجهة مع إيران تنتقل من الصواريخ والمنشآت إلى المال والتجارة، وواشنطن تريد أن تجعل ما حدث في الإمارات بداية لمسار أوسع.
في التاسع عشر من أغسطس/اب أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في ضوء التصعيد الإقليمي الذي قوض السلام والأمن، مع تأكيد الالتزام بالحوار والتعاون الإقليمي وصون سلامة النظام المالي الدولي.
بلا شك، فإن أبوظبي لم تتخل عن الدبلوماسية ولم تعلن قطيعة سياسية مع الشعب الإيراني، لكنها رسمت خطًا بين استمرار الحوار وبين بقاء العلاقة الاقتصادية على حالها في ظل وضع أمني لم يعد طبيعيًا.
وفي الحقيقة، فإن القرار الإماراتي تحكمه اعتبارات الأمن والمصلحة الوطنية، ولكنه جاء في لحظة تلاقت فيها هذه الاعتبارات مع توجه أميركي يريد تجفيف الموارد التي تساعد النظام الإيراني على مواصلة الحرب، وتصريح بيسنت كشف هذا الالتقاء علنًا، وأظهر أن واشنطن تنظر إلى الخطوة الإماراتية بوصفها نموذجًا يمكن أن يمتد إلى شركاء آخرين.
المهم بالنسبة إلى الإمارات ليس ما تريده واشنطن وحدها، بل ما فعلته إيران نفسها بقاعدة العلاقة التي حكمت تواصلها مع دول الخليج لسنوات، فقد اختارت أبوظبي الحوار وخفض التصعيد على أساس أن تقليل الاحتكاك يمنح المنطقة قدرًا أكبر من الاستقرار، وجاءت الحرب واختبرت هذا الافتراض بقسوة، وحين وصلت الهجمات الإيرانية إلى دول الخليج، لم يعد ممكنًا التعامل مع التجارة والأمن باعتبارهما ملفين منفصلين.
هذه القراءة ظهرت بوضوح أيضًا في موقف الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، الذي رأى أن المواجهة الأميركية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة عنوانها تصعيد الضغط الاقتصادي، وأن العدوان الإيراني على دول الخليج أخطأ الهدف وعمّق مأزق طهران وزاد عزلتها وأضعف موقفها. وفي الوقت نفسه أبقى قرقاش الباب السياسي مفتوحًا، مؤكدًا أن الخروج من الحرب لا يمر عبر استهداف دول الخليج، وإنما بالعمل معها لتهيئة التهدئة والبحث عن مخرج سياسي.
بالنسبة إلى أبوظبي، فلم يكن الانفتاح مع إيران استرضاءً بقدر ما كان محاولة لإدارة جوار معقد وخفض احتمالات الصراع، لكن ليس منطقيًا أن تستمر العلاقة الاقتصادية بالشكل نفسه مع دولة تستخدم القوة ضد أمنها، ثم يُتعامل مع التجارة وكأنها منفصلة عن هذا السلوك.
هذا التحول الإماراتي تزامن مع انتقال أميركي أوسع إلى تشديد الخناق الاقتصادي على طهران، وفي هذا السياق أطلقت واشنطن “عملية النبذ الاقتصادي”، وتقول وزارة الخزانة إنها حددت العُقد والميسرين والشبكات التي استخدمتها إيران لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات، في محاولة لاستهداف البنية التي تعمل خارج إيران بدل الاكتفاء بإضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات، كما وسعت خطر العقوبات الثانوية إلى قطاعات جديدة، واستهدفت أكثر من ستين كيانًا وفردًا وسفينة في دول مختلفة.
المعنى العملي لذلك أن واشنطن لم تعد تكتفي بملاحقة المؤسسة الإيرانية نفسها، بل تريد الضغط على البيئة التي تسمح لطهران بتحويل صادراتها إلى أموال قابلة للاستخدام، وقال بيسنت إن لكل دولة جدولًا زمنيًا محددًا لإغلاق الأنشطة التي حددتها الولايات المتحدة، من دون أن يكشف علنًا عن مدة هذه الجداول، محذرًا من أن المؤسسات التي تستمر في التسهيل قد تجد نفسها خارج النظام المالي القائم على الدولار.
لهذا تكتسب الخطوة الإماراتية وزنًا يتجاوز حجم التجارة التي ستتوقف، فالإمارات مركز عالمي للتجارة والنقل والخدمات المالية، وأي تشدد في وصول النشاط الإيراني إلى مركز بهذا الحجم يرفع الكلفة على الشبكات التي تبحث عن منافذ بديلة. وإبراز بيسنت لأبوظبي يحمل رسالة إلى الآخرين أيضًا: فإذا كانت دولة خليجية أبقت لسنوات قنوات الحوار والتجارة مفتوحة مع إيران قد أعادت حساباتها بعد الهجمات، فما الذي يبرر استمرار التعامل وكأن البيئة الاستراتيجية لم تتغير؟
لكن نجاح الحملة لن يتقرر في أبوظبي وحدها، حيث تبقى ثغرة كبيرة اسمها الصين، لأنه يمكن إغلاق شركات ووسطاء كثيرين، لكن الضغط على الاقتصاد الإيراني سيظل محدودًا إذا بقيت الأسواق الكبرى قادرة على شراء النفط، وإذا تجنبت واشنطن فرض الكلفة نفسها على المؤسسات الكبيرة التي تجعل تلك التجارة ممكنة.
طهران تدرك هذا الخطر، وقد تحاول منع انتقال النموذج الإماراتي إلى دول أخرى عبر التهديد او شن هجمات إرهابية، فإذا اكتشفت أن التهديد يدفع الدول إلى التراجع وإعادة فتح المنافذ، فسوف يصبح السلاح أداة اقتصادية أيضًا، أما إذا أدى التصعيد إلى فقدان أسواق وقنوات يصعب تعويضها، فإن استخدام الهجمات الإرهابية يبدأ في استنزاف الموارد التي يفترض أنه يحميها.
الإمارات، بهذا المعنى، لم تتخل عن سياسة السلام، وإنما أعادت تعريف شروطها، والحوار يبقى ممكنًا، والتعاون يمكن أن يعود، لكن العلاقة الطبيعية تحتاج إلى سلوك طبيعي في المقابل.
أما طهران فقد تكون ارتكبت خطأً استراتيجيًا أكبر من الخسائر التي أحدثتها الحرب حتى الآن، فقد افترضت طويلًا أن دول المنطقة ستخشى غضبها إلى درجة تدفعها إلى إبقاء أبواب المال والتجارة مفتوحة مهما فعلت، ولكن إذا امتد المسار الإماراتي إلى أسواق أخرى، ستكتشف إيران أن الصواريخ التي أطلقتها لم تصب أهدافًا في الخليج فقط، بل بدأت تغلق المنافذ التي كان اقتصادها يعيش منها.




