لماذا غضبت “الإرهابية” من التقرير البريطاني؟

نُشر هذا المقال أولًا في إيلاف بتاريخ 22 ديسمبر 2015.
لا يدري الكثيرون عن أسباب غضب جماعة الاخوان المسلمين الارهابية كل هذا الغضب مما توصل إليه تقرير الحكومة البريطانية بشأن أنشطة الجماعة في البلاد، فهناك أسباب عدة تفسر هذا الغضب في ظل العلاقات التاريخية المعقدة والملتبسة بين جماعة الاخوان المسلمين والجانب البريطاني؛ ولكني اعتقد شخصياً أن الجماعة لم تغضب لنتائج التقرير بقدر غضبها لما سيترتب عليه لاحقاً من نتائج ستؤثر حتماً على مستقبل الجماعة وتنظيمها الدولي، فالتقرير قد لفت انتباه دول أخرى إلى دراسة فكر الاخوان المسلمين والتحوط من أنشطة الجماعة، التي تتخفى وراء ممارسة العمل الخيري والانساني والدعوى رغم أنها بوابة حقيقية واسعة لتصدير وغرس الفكر المتطرف في هذه الدول والمجتمعات.
ولاشك أن التقرير البريطاني قد نسف تماماً صورة نمطية مغلوطة روجت لها الجماعة في معظم الدول الغربية وبعض الدول العربية حول “وسطيتها” المزعومة، ومن ثم فإن تحولات “الصورة” سيتلوها ـ حتماً ـ تحولات في المواقف والآراء والاتجاهات والسياسات، فلن يكون من السهل مستقبلاً &ـ على سبيل المثال ـ أن يتنقل قادة الجماعة وعناصرها بين العواصم الغربية كما كانوا يفعلون سابقاً من دون رقابة أمنية، وربما يحظر على الكثير منهم هذا التنقل من الأساس في ظل التوجه الخاص بدراسة ملفات قادة الجماعة ورموزها والتفتيش في مواقفهم وتصريحاتهم التي تصب في سلة دعم التطرف والارهاب، إذ ستجد المؤسسات الأمنية الغربية الكثير والكثير من المواقف المتشددة والداعمة للتطرف في سجلات الجماعة وتصريحات قادتها المنشورة.
التقرير البريطاني أيضا يضع الحليف التركي للجماعة الارهابية في حرج سياسي دولي بالغ، إذ بات من الصعب على الحكومة التركية من الآن فصاعداً إقناع الدوائر الغربية بأن القيادات والعناصر التي تأويها وتدعمها من الجماعة الارهابية أصحاب “قضية عادلة” أو أنهم “مناضلون” وضحايا لغياب الحريات وغير ذلك من حجج واهية لم يعد للقبول بها مجال يذكر في ظل هذا الكم من البراهين التي تربط هؤلاء جميعاً بالتنظيمات الارهابية.
الأرجح أن التقرير البريطاني هو مقدمة لخطوات حقوقية وأمنية أخرى ستتخذ بحق جماعة الاخوان المسلمين، ليس لأن التقرير قد ربط الجماعة المحظورة بانتشار الفكر الارهابي المتشدد فقط، ولكن لأن دول الغرب التي ذاقت ويلات الارهاب ومعاناته لم يعد بوسعها المجازفة بتحمل أي جماعات من هذا النوع بغض النظر عن مستوى ارتباطها بالجرائم الارهابية وخطورة هذا الارتباط إن عاجلاً أو آجلاً لسبب بسيط يكمن في حسابات العائد والتكلفة، فتكلفة ايواء عناصر الجماعة &”الارهابية” وقادتها ورموزها وما يرتبط بذلك من حسابات سياسية وعلاقات دولية باتت أعلى بمراحل من تكلفة الابتعاد عن هذه “لعبة” التنظيمات الأيديولوجية وتوظيفها سياسياً، وهي اللعبة التي ولدت خلال حقبة الحرب الباردة والصراع الثقافي والأيديولوجي مع الاتحاد السوفيتي السابق، واستمرت حتى ما بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر واستخدمت كأداة في اضطرابات ما يعرف بالربيع العربي عام 2011 لدرجة أن العاصمة البريطانية سميت من جانب البعض بـ لندنستان”، وهو مسمى ساخر أطلقته دوائر غربية على عاصمة الضباب منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين.
لم يعد الغرب الآن ينتظر الدلائل القاطعة على التورط في الارهاب، وبات يميل إلى الاجراءات الاستباقية في ظل الكلفة الباهظة للجرائم الارهابية التي نفذت مؤخرا، على الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولم يعد هناك حزب سياسي يقبل بمغامرة الصمت على وجود عناصر أجنبية وصفها تقرير رسمي بأنهم “متطرفون محتملون” وهذا هو بيت القصيد والخطر الداهم الذي لم جاء من خارج دائرة توقعات قادة الجماعة “الارهابية”، بعد أن أعلنها رئيس الوزراء البريطاني صراحة بأن أنشطة الجماعة ستظل “قيد التحقيق بسبب علاقتها الغامضة بالتطرف العنيف”، وذهب إلى حد القول بأن فكر الجماعة “يتناقض مع قيمنا (بريطانيا) ومع مصالحنا الوطنية وأمننا القومي”، ما يعني أن الحكومة البريطانية الحالية ستعمل على تبرئة ساحتها من وجود الاخوان المسلمين على أراضيها باتخاذ الاجراءات اللازمة للتخلص منهم وإبعادهم، إذ لا يعقل أن تواصل الحكومة البريطانية سياساتها في هذا الشأن وهي التي تعترف رسمياً بأن قيم هذه الجماعة تتعارض مع مصالح بريطانيا وأمنها القومي!!.
ومن ثم فإن أكثر مايزعج الإخوان المسلمين أن أنشطتهم في بريطانيا لم تعد تمتلك هامش حرية &للحركة &الرامية إلى نشر الفكر والاستقطاب والتحريض كما كان في السابق، فقد انكشف غطاء هذه الأنشطة واتضح ماورائها من غموض، وباتت هذه الأنشطة هدفاً مشروعاً ومستمراً لخبراء مكافحة الارهاب في بريطانيا والعالم أجمع، بعد أن فتح التقرير عيون الجميع على هذا الخطر الكامن، وبات اعضاء الجماعة الارهابية تحت رقابة أمنية لصيقة في الغرب، وباتت كتاباتهم بأي لغة كانت قيد الرقابة فلم يعد بوسعهم تصدير خطاب مهادن للغرب والكتابة بلغة صدامية عنيفة في الدول العربية والاسلامية. وما يقلق “الارهابية” أيضا هو شعورهم بأن الدائرة تضيق عليهم وأن العالم الرحب الذي صالوا وجالوا فيه منذ انشاء التنظيم الدولي للجماعة بات يضيق تدريجياً عليهم بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية ـ وسيتبعها آخرون حتماً ـ أنها ستواصل رفض منح تأشيرات لأعضاء الجماعة أو المرتبطين بها ممن لهم سجل فى الإدلاء بتصريحات متطرفة وهم كثر وليس من الصعب الوصول إليهم والتعرف إلى مواقفهم، والحكومات الغربية كانت تقف على هذه التصريحات المتطرفة ولكنها ظلت تتغاضى عنها طويلاً لتغليب مصالح أخرى مع الجماعة في دول أخرى ظلت “الارهابية” تمثل مخلباً للقوى الدولية فيها لفترات طويلة من الزمن.
سقطت أسطورة الاحتماء بسقف الحريات البريطاني، حيث كانت السلطات البريطانية ترفض تسليم المطلوبين للعدالة في دول عدة منها الإمارات ومصر والولايات المتحدة والسعودية والأردن، وكانت السلطات البريطانية تعتقد ـ بحكم موروثها الاستعماري في الشرق، أن الابقاء على عناصر الشر يجنب الدولة البريطانية خطرهم ويبعدها عن شرورهم ويمنحها ورقة ضغط قوية قابلة للتوظيف في التفاعلات الدولية، حيث منح بريطانيا الكثير من قادة المتطرفين اللجوء السياسي، بل إن من بين هؤلاء من تقاضى معاشات ضمان اجتماعي من الخزانة البريطانية لفترات طويلة وظل يقتات من ضرائب الشعب البريطاني رغم أنه يكن كراهية عمياء لكل مخالفيه في الرأي والعقيدة ومنهم بطبيعة الحال البريطانيين!!.
وبغض النظر عن فاعلية نتائج التقرير &واحتمالات الأخذ بها وتطبيقها، فإن أهميته للمجتمع الدولي وخطورته بالنسبة للجماعة المحظورة تكمن في أنه قد فتح نقاش بريطاني واسع حول فكر الاخوان المسلمين، أي أن “صندوق البندورة” الاخواني قد فتح على مصراعيه ولم يعد من السهل إغلاقه أو التستر على ما فيه، سواء من الدوائر الغربية أو من جانب التنظيمات والجماعات الارهابية، فالشعوب قد انتبهت إلى مصدر الخطر ولم يعد بوسع أحد خداع الرأي العام والابقاء على عناصر تدور شكوك حول تورطها في الارهاب الذي بات يمثل “فوبيا” مزعجة تقض مضاجع المجتمعات الغربية والعالم أجمع.




