آراء وتحليلات

حين تكذب الدولة على نفسها

نُشر هذا المقال في ميدل إيست أونلاين بتاريخ 14 سبتمبر 2026.

قد لا يكون نقص المعلومات دائماً وراء القرارات السياسية الفادحة، فهذا أحد أكثر الأعذار راحة لتفسيرها؛ إذ نقول إن القيادة لم تكن تعرف، أو إن المعلومات لم تصل إليها، أو إن أجهزة الدولة أخطأت في التقدير، لكن هذا العذر يسقط حين تكون السفارات قد كتبت تقاريرها، والأجهزة رفعت تقديراتها، ثم صدر القرار وكأن أحداً لم يقرأ شيئاً، وينبغي عندها البحث عن الخلل في طريقة تفكير الدولة، لا في كمية الأوراق التي وصلت إلى مكاتبها.

بكل تأكيد، فإن بعض الأنظمة تمتلك مؤسسات كثيرة ومستشارين أكفاء، لكنها تفتقر إلى جهة تستطيع أن تقول لصاحب القرار إن تقديره خاطئ، ولذلك تفقد المعلومات قيمتها حين تعجز عن تغيير القرار، وتتحول إلى أوراق تدور داخل البيروقراطية قبل أن تنتهي في الأرشيف، بينما يمضي القرار الذي كان يفترض أن توقفه، محمولاً على اقتناع القيادة بأن ما تريده هو بالضرورة ما سيحدث.

وهنا بالذات، لست مقتنعاً بأن القرارات الكبرى التي تأتي بنتائج عكسية يمكن تفسيرها دائماً بسوء التقدير، فكل الدول تخطئ، غير أن الدولة التي اختبرت الاحتمالات ثم أخطأت ليست كالدولة التي منعت الاحتمال المزعج من الوصول إلى طاولة القيادة؛ الأولى فوجئت بما لم تحسن توقعه، أما الثانية فصنعت المفاجأة بيدها ثم تصرفت كأن العالم تآمر عليها.

تبدأ الحكاية دائما عندما تعرف مؤسسات الدولة مسبقاً ما الذي تريد القيادة سماعه، فيفهم المستشار أن التحذير قد يكلفه موقعه بينما التفاؤل لا يكلف شيئاً، ويصبح التقرير الحاد أكثر نعومة وهو يصعد إلى الأعلى، ويوضع الاحتمال السيئ في آخر الصفحات، ثم يُستبدل الخبير الذي يقول إن الخصم لن يتراجع بمن يملك تفسيراً مريحاً لتراجعه الوشيك، وفي النهاية لا يرى صاحب القرار من العالم إلا الصورة التي يريدها، ويكون العالم الحقيقي قد اختفى في الطريق؛ وهنا تكذب الدولة على نفسها.

وقد تضم هذه الأنظمة دبلوماسيين ممتازين وضباطاً محترفين وخبراء اقتصاديين يعرفون حجم المخاطر، لكن ذكاءهم يصبح عديم القيمة حين تتحول مهمتهم من اختبار القرار إلى تبريره، وما تحتاج إليه القيادة في تلك اللحظة هو شخص أو جهة تبدأ بالقول إننا قد نكون مخطئين، ثم تسأل ماذا سيحدث إذا لم يتراجع الخصم، أو إذا لم يكن معزولاً كما نتصور، أو إذا امتدت الكلفة سنوات بينما بُني القرار على تقدير أن الأزمة لن تستمر إلا أسابيع.

وقد يكون الخلل أحياناً أعمق من غرور عابر، فهناك أنظمة تنظر إلى العالم من خلال خريطة انتهت صلاحيتها، وتتصرف وفق ذاكرة قديمة عن حجمها وتأثيرها، رغم أن الاقتصادات تغيرت والتحالفات تبدلت ومراكز الثقل انتقلت، بينما ظلت غرف القرار تستدعي أدواراً قديمة وتتصور أن الآخرين ما زالوا يرونها بالطريقة نفسها. والحقيقة، أن بعض الدول بنت شرعيتها الخارجية على التاريخ أكثر مما بنتها على القدرة، حتى أصبح التاريخ نفسه فخاً؛ فهي تتحدث عن مكانة ورثتها ولا تسأل عما بقي منها، وحين تصطدم صورتها القديمة بالواقع الجديد يصبح اتهام الآخرين أيسر من الاعتراف بأنها لم تعد في الموقع الذي تتخيله.

ولهذا لا أستغرب شخصياً قرارات تبدو عصية على الفهم، فعندما نضعها في البيئة التي أنتجتها نجد أن الجميع تقريباً يقرأ التاريخ نفسه، ويعرف حدود الكلام المسموح به، ويكرر التقدير الذي رضي عنه صاحب القرار من قبل، وهكذا يتجاوز الخطأ صاحبه ليصبح ثقافة داخل المؤسسة، تصنع القرار الفادح ثم تنتج له تفسيراً يحميه من المراجعة.

ويستطيع المراقب التقاط علامات هذه الحالة مبكراً؛ إذ تتشابه لغة الإعلام مع الخطاب الرسمي، ولا يعود أحد يجرؤ على تذكير القيادة بالرأي الذي حذرها، وتُضخّم عزلة الخصم حتى يبدو تراجعه مسألة وقت، فيما يُفسر صمت الحلفاء استعداداً للوقوف معها، وما إن تنشغل مؤسسات الدولة بإثبات عدالة موقفها أكثر من دراسة قدرة الطرف الآخر، حتى تكون النتيجة قد بدأت تتشكل وإن لم يجرؤ أحد بعد على تسميتها.

ما يلفتني شخصياً ليس القرار وحده، بل ما يحدث بعده، فالمؤسسات التي أخفقت في منعه تتحول سريعاً إلى فرقة للدفاع عنه، ويرفع الإعلام سقف اللغة حتى يصبح التراجع إهانة، ثم يبدأ البحث عن انتصار لفظي يسمح للقيادة بالخروج من المأزق؛ عندها تنشغل الدولة بحماية سمعة القرار الذي أضر بها أكثر من انشغالها بحماية مصالحها، وقد ترتكب خطأ أشد حتى لا تعترف بأن الخطأ الأول كان قابلاً للتجنب.

تزداد الخطورة حين تتحول السياسة الخارجية إلى وسيلة لإثبات الهيبة، لأن الدولة الواثقة لا تحتاج إلى إعلان أنها دولة كبرى في كل أزمة، أما الدولة التي يطاردها سؤال المكانة فقد تنفق من مصالحها الحقيقية دفاعاً عن صورة قديمة لنفسها، فيصبح التراجع إهانة والمراجعة ضعفاً والتسوية هزيمة، مع أن الكبرياء لا يغير ميزان قوة، والأسواق لا يعنيها تاريخ الدولة ولا حجم شعاراتها، والطرف الذي تُخرجه من حساباتها قد يجد بديلاً قبل أن تجد هي بديلاً عنه، بل ربما يكتفي بترك القرار يعمل ضد صاحبه.

من حق أي دولة أن تختلف وأن تعيد صياغة علاقاتها، فهذا أمر طبيعي وصحي حين تتغير المصالح، غير أن السيادة الحقيقية تقتضي معرفة ثمن القرار قبل اتخاذه، ومعرفة ما يستطيع الطرف الآخر فعله، وامتلاك القدرة على احتمال أسوأ النتائج، أما اكتشاف الفاتورة بعد إعلان الموقف ثم تعبئة مؤسسات الدولة لتبريرها فليس قراراً سيادياً محسوباً، مهما ارتفع صوت الخطاب الذي يزعم ذلك.

د. سالم الكتبي

الدكتور سالم الكتبي باحث وكاتب رأي ومحلل سياسي إماراتي، حاصل على الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *