أشفقت على حامد أبو طالبي مدير مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني وهو "يغرد"تعليقاً على جولة روحاني، قائلا نصاً "مبادرة روحاني الإقليمية لقبول دعوة زعيمي سلطنة عمان والكويت هي مؤشر على الحاجة لإقامة صداقات إسلامية واستعادة العلاقات الإقليمية، وإن "هذه المبادرة الإقليمية فرصة يتعين على أصدقائنا في المنطقة أن يستغلوها لأنها لن تتكرر، استغلوا الفرصة الطيبة"!!

مبعث شفقتي على أبو طالبي لأسباب عدة أهمها أنني وجدت أن الملالي "الصغار"لا يختلفون عن الملالي "الكبار"في استعلائهم وعنجهيتهم وغطرستهم المذهبية، بل ويفتقرون، مثل كبارهم، الذين علموهم السحر وهذه الألاعيب، إلى لغة الدبلوماسية والسياسة ولا يعرفون سوى لغة الاستقطاب المذهبي الخبيث، وثاني هذه الأسباب أن "تغريدة"أبو طالبي ذكرتني بالبائع الذي ينادي على بضاعة لا يقبل المتسوقون على شرائها في سوق شعبي راكد، فيغريهم بأنها لن تعود ثانية إلى السوق وأن المعروض منها هو القطعة الأخيرة وبسعر مغر !!

هل يعقل أن يقول دبلوماسي يدرك ما يحيط به من تعقيدات ومتغيرات استراتيجية بالغة التسارع والتعقيد والعمق، ثم يقول إن عرض الحوار هو "فرصة لن تتكرر"وأن على الباقين استغلالها!! هذه لغة تليق بالبازارات وليست لغة حوار، فالدبلوماسية تفتح الأبواب ولا تغلقها، بل لا تتناول مجرد الإشارة إلى إغلاقها، ولا يفعل ذلك سوى تجار بضاعة "بائرة"أو كاسدة لتلف بها أو لمبالغة في أسعارها أو لسوء خامتها ورداءة صناعتها!!

أدرك يقيناً أن لغة البازار تسيطر في كثير من الأحيان على السياسة الخارجية الإيرانية، وأن المفاوض الإيراني يتمتع بقدر هائل من الصبر والتريث والمناورة واستنزاف الآخر، بحكم خبرة تاريخية عميقة مستمدة من ثقافة حياكة السجاد، التي تكرس الصبر في الوعي الجمعي للشعب الإيراني، ولكن "المناداة"على ما تسميه إيران بمبادرة روحاني بهذه الطريقة البائسة تفقدها الكثير من فرص نجاحها، لأن "الصبية"الذين كلفهم البائع بالمناداة على بضاعته يروجون لها بأساليب منفرة ومسيئة ولا تغرى أحداً بالشراء أو حتى بمجرد المعاينة والمشاهدة!!

لا أدرى عن أي فرصة يتحدث السيد أبو طالبي حين يقول إنها لن تتكرر(!!) وكيف يعتقد أن مجرد حديث الرئيس روحاني عن حوار يزيل ما وصفه بسوء الفهم في مناخ العلاقات الخليجية ـ الإيرانية يمثل "فرصة"؟ أي فرصة في الخداع والمخاتلة وادعاء البراءة والتنكر من أفعال وممارسات ماثلة للعيان؟ وأي حوار هذا الذي يبدأ بالخداع وإنكار أصل المشكلة وجوهر الأزمات؟

إن كانت هناك فرصة فهي بالأحرى للملالي كي يعيدوا ترتيب أوراقهم وقراءة المشهد الاستراتيجي الإقليمي والدولي جيداً، ثم التصرف بحكمة بما يجنب المنطقة والشعب الإيراني مزيداً من الأزمات، التي لم تعرف سواها بلادهم منذ عام 1979!!

تنشأ الفرصة الحقيقية في منطقة الخليج العربي حين تتوافر عوامل عدة حقيقية في مقدمتها تخلي الملالي عن رعاية الإرهاب وميلشياته ووكلائها في دول المنطقة، ويتراجع، ولا أقول يخرجون تماماً، ترتيبهم ضمن قوائم الدول الراعية للإرهاب، وتنشأ الفرصة حين تبدي إيران نية جادة لجوار حقيقي من دون شروط مسبقة، ووفق أجندة مدروسة تتضمن قضايا خلافية محددة بين دول مجلس التعاون ونظام الملالي!!

وتنشأ الفرصة أيضاً حين يعترف الملالي بسيادة العراق وسوريا واليمن، ويكفون عن ترديد مزاعمهم بشأن مملكة البحرين الشقيقة، ويتخلون عن احتلالهم المرفوضة للجزر الإماراتية الثلاث، ويغيرون سلوهم الإقليمي، ويطرحون معطيات جادة ينطلق منها ويرتكز عليها التعايش الإقليمي في منطقة الخليج العربي. من دون ذلك ياطالبي فليست هناك فرصة حقيقية ولا أحد سيحزن على عدم وجود نتائج للمبادرة المزعومة !!!

بالأمس، تابعنا جميعاً اتهامات تركيا لإيران رسمياً بإرسال لاجئين إلى ساحات الصراع في سوريا والعراق والعمل على زعزعة استقرار المنطقة، كما لا يجب غض السمع والبصر عن اتهامات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لإيران بأنها تريد تحويل سوريا والعراق إلى المذهب الشيعي، وقبل ذلك بأيام تحدث الرئيس أردوغان عن خطر "القومية الفارسية"! فهل تعتقد أن الأتراك يفبركون اتهامات ضد الملالي أيضاً وهم من كانوا بالأمس القريب ضيوفاً على موائد الملالي ويعلنون الشراكة ويتحدثون عن المصالح والتجارة والأهداف المشتركة!

هناك خطأ بل أخطاء متراكمة في السياسة الإقليمية الإيرانية، وفكرة التوسع المذهبي هذه مدمرة لإيران وشعبها، ويجب التخلي عنها والعيش بسلام والالتزام بمبدأ حسن الجوار ومن دون ذلك سيجد الملالي أنفسهم في دائرة تضيق رويداُ رويداُ وتقترب بهم من مصير نظام صدام حسين، فلم يثبت التاريخ أن هناك نظام قادر على البقاء رغم عدائه لكل من حوله، ومن الصعب إنكار ما تفرزه العوامل والمعطيات الجيوسياسية والجيواستراتيجية اقليمياً ودولياً، ومن الصعب الاستمرار وفق هذه اللغة المتغطرسة والاستعلاء القومي الفارسي المشين، الذي تعبر عنه نرجسية مفرطة للملالي صغارهم وكبارهم على حد سواء.