لا تزال تفاعلات وأصداء وتوابع الأزمة الحاصلة في العلاقات السعودية ـ الإيرانية تتوالى، كما لا تزال الأزمة حبلى بالكثير من التطورات المستقبلية المتوقعة، ومن بين ما يحدث لفتت انتباهي ردود الأفعال التي تتخذها طهران حيال موقف الأشقاء في المملكة العربية السعودية، واستوقفتني توجهات النظام الإيراني هذه المرة ليس لشيء سوى لأن بعض المراقبين العرب والخليجيين لم يفطنوا إلى فهم دوافع إيران، ولم يحسّنوا قراءة مواقفها وردود أفعالها في ضوء سوابقها التاريخية ورؤاها الأيديولوجية المتطرفة، التي يصعب تفسير أي توجه سياسي إيراني من دونها.

ذهب بعض الإعلاميين والمحللين في هذا الإطار إلى أن إيران قد أبدت نوعا من “حسن النوايا” وأنها تسعى إلى استرضاء الأشقاء السعوديين، وأنها قدمت اعتذارا رسميا عما حدث للمقار الدبلوماسية السعودية لدى إيران.

هذه النوعية من التحليلات الكارثية تثير الشفقة والشعور بالاستياء على حد سواء لضعف الرؤية لدى أصحابها ومروّجيها بافتراض حسن الظن فيهم، وأيضا لأنها تدفع باتجاه مضلل لفهم ما يدور من حولنا، وبالتالي وجود احتمالية عالية للوقوع في تقدير خاطئ للموقف برمته.

عمّن يتصدى لتفسير التطورات المتسارعة في الأزمة أن يمسك بزمام الصورة كاملة، وأن يفطن إلى خبرة إيران العريضة في المناورة والخداع على المستويين السياسي والإعلامي، وللتوضيح أقول إن ما يتابعه القارئ العربي من ردود أفعال إيرانية لا يعبر عن الموقف الحقيقي لإيران، التي أستطيع القول إنها تبنت فور وقوع الأزمة تكتيكات سياسية وإعلامية تستهدف تحقيق أمرين مهميْن، أولهما محاولة تشويه الصورة الذهنية للمملكة العربية السعودية والدول العربية والخليجية المتحالفة معها، وبناء مدركات إعلامية قائمة على أن المملكة هي من تستعدي وتمارس نوعا من “الافتراء” على إيران! والأمر الثاني محاولة استقطاب الرأي العام العالمي لمصلحة إيران بعد امتصاص ردود الفعل الأولية حيال حدث الاعتداء على السفارة السعودية، ثم البدء تدريجيا بـتطبيق استراتيجية “قلب الطاولة” على المملكة وحلفائها العرب والخليجيين عبر تكتيكات إعلامية مدروسة.

وللمزيد من التوضيح أقول إن من ذهب إلى بناء تصور مبتور حول موقف إيران من الأزمة لم يقرأ المشهد جيدا، أو أنه خضع لتأثير الإعلام المضاد، فعلى سبيل المثال أقرأ مثلا تعليقات تروّجها الجيوش الإلكترونية التابعة لإيران عبر شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي تقول فيها “لقد قدمت إيران اعتذارا عما حدث للسفارة السعودية، فماذا يبغي السعوديون بعد؟” هذه النوعية من ردود الأفعال تسعى إلى تغييب الحقائق والتشويش على حق المملكة الثابت والمشرف في الدفاع عن سيادتها ومواطنيها، فما ينبغي أن يعرفه الجميع أن إيران اعتذرت بالفعل ولكن ليس لصاحب الحق الأصلي في الاعتذار، وهو المملكة العربية السعودية، ولكن طهران تقدمت باعتذار إلى مجلس الأمن الدولي في رسالة أعربت فيها عن أسفها للاعتداء على السفارة السعودية وتعهدت بعدم تكرار ذلك، لأسباب عدة أولها أن المنظمة الدولية قد اتخذت موقفا حازما حيال الاعتداء على المقار الدبلوماسية للسعودية، وثانيها أن مجلس الأمن الدولي يستعد لفتح ملف انتهاك إيران للقرار الأممي رقم 1929 الذي يحظر على إيران القيام بأي أنشطة تتعلق بالصواريخ الباليستية القادرة على نقل رؤوس نووية، وذلك إثر تجربة الصاروخ “عماد” بعيد المدى في الأشهر الأخيرة وعقب توقيع الاتفاق النووي مع الغرب، ومن ثم تسعى إيران إلى تفادي أي شكوك أو تقييم سلبي من المجلس للنوايا التي تضمرها سواء لجيرانها أو للأمن والاستقرار الدوليين.

رسالة الاعتذار هذه وما تلاها من مواقف إيرانية تحاول التغطية على ما حدث من تصرفات همجية حيال البعثات الدبلوماسية السعودية لدى إيران، وتستهدف امتصاص التداعيات السلبية التي أعادت إلى الأذهان ممارسات إيران في ذروة تشنّجاتها الثورية، وما يرتبط بذلك من مسلسل الاعتداء البغيض على السفارات والبعثات الأجنبية وحجز الدبلوماسيين والرعايا الأجانب في طهران كرهائن، مثلما حدث عندما اقتحمت مجموعة من ميليشيات الثورة الإيرانية السفارة الأميركية في طهران واحتجزت 52 مواطنا أميركيا لمدة 444 يوما طيلة الفترة من 4 نوفمبر 1979 حتى 20 يناير 1981.

ولا شك أن التذكير بهذه النوعية من الممارسات الهمجية يقلق الساسة الإيرانيين، ولعل دهاقنة الحرس الثوري لم يفطنوا إلى ذلك عندما قرروا الاعتداء على المقار الدبلوماسية السعودية، وإن كانوا قد تذكروا بطبيعة الحال فكرة إحراج غريمهم الرئيس حسن روحاني أمام العالم.

ما سبق يمثل أحد دوافع الاعتذار الإيراني لمجلس الأمن، وهناك دوافع وأسباب أخرى منها ما ذكرته سالفا بشأن التكتيك الإيراني المغاير في إدارة الأزمة ومحاولة السعي إلى تحويلها لفرصة، وفي هذا الإطار تأتي أيضا رسالة الاعتذار وقرارات هامشية أخرى مثل إلغاء تسمية أحد الشوارع باسم رجل الدين الشيعي نمر النمر الذي أعدمته السعودية، وقرارات أخرى مثل إقالة مسؤول أمني اتهم بالتقصير في حماية مقر البعثة الدبلوماسية السعودية، وغير ذلك من قرارات لا تغيب أهدافها الحقيقية عن ذهن المحلل المتابع.

انتقلت إيران بعد ذلك، أو هكذا تخطط، من مربع الدفاع إلى مربع الهجوم بمقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية بقلم وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، وهنا يلفت انتباهي أمران مهمان أولهما أن جهة النشر هي صحيفة أميركية عريقة طالما لعبت أدوارا مهمة في تاريخ العلاقات الإيرانية – الأميركية، فنحن بصدد الحديث عن صحيفة عريقة تأسست منذ أكثر من 164 عاما، وهي من أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم وحصلت على أكثر من 113 جائزة بولتزر في الصحافة، وهي معروفة بميلها وقربها من ساسة الحزب الديمقراطي الأميركي بشكل عام، ومؤيدة بقوة لإسرائيل، ولا يكاد يخرج أحد من كتابها عن دائرة الدعم المطلق لإسرائيل. وبالتالي فإن نشر مقال ظريف بمحتواه هذا له دوافع عدة قد لا تكون بريئة وليس من بينها حرية النشر والتعبير.

الأمر الثاني هو محتوى مقال ظريف ذاته، والذي ربط فيه بين الاتفاق النووي الذي وقعته بلاده مع القوى الدولية الكبرى من ناحية، ومكافحة التطرف والإرهاب من ناحية ثانية، حين اعتبر أن الاتفاق “يمهد للعمل على مواجهة التطرف في المنطقة والعالم، حيث أن أولويات السياسة الإيرانية الصداقة مع جيراننا والسلام والاستقرار في المنطقة والتعاون العالمي خاصة في مجال مكافحة الإرهاب”.

ثم انطلق ظريف متهما السعودية، تصريحا لا تلميحا، بالوقوف في وجه هذا التوجه قائلا إنها “تكرس مواردها من أجل نشر التطرف مدفوعة بحالة من الإيرانوفوبيا بشكل متهور”، وواصل ظريف الذي يتأكد كل يوم أنه ليس اسما على مسمّى، استعداء الرأي العام الأميركي ضد السعودية منددا بإعدام 47 سجينا بالسيوف، والملاحظ أن حرصه على ذكر السيوف والربط مع تنظيم داعش حاضر بقوة هنا في كلامه الذي تضمن تقسيما لإرهاب السيوف بين الداخل السعودي والخارج الداعشي، وأن من بينهم نمر النمر المناهض للعنف وداعية الحقوق المدنية، وهي مقولة “ظريفة” من رجل غير ظريف بالمرة.

لم ينس ظريف في مقاله الإشارة إلى إدانة الحكومة الإيرانية للاعتداء على سفارة السعودية وقنصليتها، متحدثا عن تدابير وإجراءات تأديبية اتخذت بحق المسؤولين عن هذا الاعتداء، لينطلق إلى اتهام السعودية باستفزاز إيران فاتحا ملف الحجاج الإيرانيين والإشارة إلى حادث تدافع الحجاج ومقتل المئات من الإيرانيين بينهم، في ربط غير مبرر بين الأحداث.

ومحذرا من نفاد صبر إيران، خيّر ظريف السعودية بين الاستمرار في دعم التطرف ولعب دور في تعزيز الاستقرار الإقليمي وهي دعابة سخيفة، بل بالغة السخافة من رجل يصرّ على الكذب، بل يفوق في كذبه أعتى رموز الدعاية السياسية الرخيصة في التاريخ الإنساني.

هذه هي إيران التي تزعم السعي إلى حسن الجوار، تحرض العالم على هؤلاء الجيران وتتهمهم بأفظع الاتهامات بل تحاول بناء اصطفاف عالمي ضدهم، فهل بعد ذلك من نوايا حسنة تجاه هؤلاء الملالي؟