على خلفية الشغب والبلطجة الاقليمية التي يثيرها النظام الايراني، والتي تفاقمت حدتها في الآونة الأخيرة بالتدخل في الشأن السعودي والاعتداء على مقار البعثات الدبلوماسية للمملكة لدى إيران، هناك تفسيرات وتاويلات وتحليلات عدة تسعى إلى فهم مدركات ومحركات السياسة الخارجية الايرانية، وهي تفسيرات لا تحيد في أغلبها عن السياق العام لهذا النظام والبيئة السياسية الداخلية الايرانية. ولكني اعتقد أن المعضلة الحقيقية التي يعانيها النظام الايراني بعد مرور نحو 36 عاماً من ثورة الخميني أنه لا يزال يفتقر إلى الهوية، ويبحث عن بوصلة تقوده وتنتقل به من مرحلة "الثورة" إلى "الدولة"!!..

أدبيات ودراسات وبحوث كثيرة نشرت وناقشت فكرة انتقال إيران بين المرحلتين، وهل لا يزال نظامها يدور في فلك "الثورة" أم انتقل بالفعل إلى الرشادة السياسية وفكر "الدولة"، ومن جانبي اعتقد أن إيران لم تزل تراوح مكانها بعد كل هذه السنوات والعقود، فهي لا تزال تفكر بذهنية "الثورة" ولا يزال ملالي قم المسيطرين على مفاصل النظام ويرددون الشعارات ذاتها، ويحركون أتباعهم ومريديهم بالأدوات ذاتها، ولا يزال صوت "الثورة" ومرشدها هو الأعلى، والأكثر تحكماً في مفاصل النظام وسياساته، ولم تزل أدوات القمع الأمني والسياسي ترهب الرئيس الايراني، الذي يشعر العالم بضعف قبضته على السلطة، وتآكل مقدرته على توجيه مؤسسات النظام نحو تحقيق الأهداف التي يريدها.

لنبرهن على ذلك، على سبيل المثال، يرفع النظام الثيوقراطي الايراني شعار الدفاع عن الاسلام، هذا أمر جيد ولا أحد يختلف معه في العالم العربي والاسلامي، ولكن الأفعال والممارسات تتنافر مع هذا الشعار كلياً فلا عن إسلام يدافع ولا دماء مسلمة يصون ولا مظلومين يحمي! بل إن جميع ضحاياه تقريباً هم من المسلمين السنة، ممن يعانون على يد ميلشيات هذا النظام ووكلائه في اليمن وسورية والعراق ولبنان وغيرها من مناطق انتشرت فيها الفوضى والمؤامرات والدسائس وكل ما يناقض الدين الحنيف قولاً وفعلاً، مما تدبره "رؤوس الأفاعي"!

وفي ظل حالة الارتباك التي يعانيها الجيل الأول من الثورة الايرانية الذي لا تزال بعض رموزه تسيطر على النظام الحاكم، فإن إيران ستظل داخل دائرة "تصدير الأزمة" بعد أن أخفقت في "تصدير الثورة"، وباتت على قناعة بأن تصدير أزماتها الداخلية قد نجح في الحفاظ على النظام طيلة العقود السابقة، ومن ثم فإن من الضروري الابقاء على هذا النهج من أجل الحفاظ على "مصلحة النظام" التي أسس لها النظام كياناً سياسياً كبيرا يعد من أبرز مؤسسات هذا النظام وهي "مجلس تشخيص المصلحة" أي مصلحة النظام، وهو مؤسسة تضم "الدهاقنة"، ومهمتهم تقديم المشورة للمرشد الأعلى، كما يعد أعلى هيئة للتحكيم السياسي بين مؤسسات النظام التي تخضع في مجملها لسلطة المرشد، ويضم رموز التشدد على الساحة السياسية الايرانية.

وللتوضيح أقول، لم تنتقل إيران سوى لأشهر معدودات ومتفرقات إلى فكر "الدولة" طيلة العقود والسنوات الماضية، وسرعان ماكانت تعود سريعاً وبتعليمات من كرسي ولي الفقيه إلى الاختباء وراء الأقنعة والتستر بسياسة "تصدير الأزمة"، ولعل الفترة الراهنة من أكثر الفترات التي يستشعر النظام الايراني خلالها إلى الحاجة إلى التمترس وراء هذه السياسية لشغل أنظار الشعب الايراني عما يدور في الداخل، لسببين رئيسين أولهما ان البلاد مقبلة على محطة انتخابية حاسمة في مصير الثورة ومستقبلها، حيث تجري الشهر المقبل انتخابات مجلس الشورى ومجلس الخبراء، الذي يتوقع له أن يلعب دور مهم في تحديد هوية المرشد الأعلى المقبل في ظل الأنباء والتقارير المتوالية حول تدهور صحة خامنئي، وحيث تحلق في أجواء السياسة الايرانية مخاوف جدية من انهيار أسس ولاية الفقيه في حال صعود الجيل الجديد الذي لا تربطه علاقات روحية قوية مع الملالي كما حو حاصل منذ قيام الثورة. والسبب الثاني أن النظام الايراني يخشى مصير الاتفاق النووي الموقع مع الغرب، والذي سينتظر على الأرجح تحديد هوية القادم الجديد إلى كرسي البيت الأبيض، في ظل تردد الولايات المتحدة عن رفع العقوبات بشكل كامل بحسب الاتفاق والبحث عن مخارج للمماطلة والتسويف حتى مابعد الانتخابات أو بلورة سياسات بديلة تبقي على التشدد حيال النظام الايراني، على الأقل حتى تتيقن واشنطن من أنها حققت أهدافها من وراء توقيع الاتفاق النووي.

إشكالية "إيران الثورة" لم تزل هي ذاتها قائمة حتى الآن، فهي تشعر بعدم بعدم الأمان كونها تعيش في محيط سني، والمسألة هنا لا تتعلق بالمذهب، الذي سبق قيام ثورة الملالي بنحو 1400 عام مضت، بل تتعلق بالتوظيف السياسي للمذهب في تحقيق الأهداف القومية فارسية الطابع والجذور، ولذا فإن من الصعب فهم التدخلات الايرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية من دون فهم الرؤية الاستراتيجية الايرانية في مجملها، فهي رؤية لا تختلف في قليل أو كثير عن إيران الشاهنشاهية، بل هي في الحقيقة أشد تعنتاً وتطرفاً من تلك الحقبة، ومن لا يصدق ذلك فعليه بمطالعة الأدبيات السياسية الايرانية وتصريحات كثير من التيار المحافظ المتشدد في إيران ليدرك مدى الاستعلاء والعنصرية والنظرة الدونية، التي تحكم النظرة السياسية الايراني لجوارها الاقليمي، فلم يكن التباهي باحتلال أربعة عواصم عربية من باب الثرثرة السياسية بل كان يعبر عن صميم رؤية استراتيجية تقوم على أن إيران هي القوة الاقليمية المهيمنة وأن دول الخليج تقع في نفوذها تاريخياً ولطهران الحق في استعادة هذا النفوذ حينما تريد!!

هل يعقل إذاً أن يطغي خطاب الهيمنة الفارسية على الخط السياسي لدولة تدعي ارتداء الثوب الاسلامي والدفاع عن الشعوب المسلمة المظلومة؟ برأيي أن إيران لن تتغير في المدى المنظور، وخصوصا في ما يتعلق بالسياسة حيال الشقيقة السعودية، التي تعتبرها إيران الخصم الاستراتيجي الأول والرئيسي في معركة النفوذ الاقليمي، وقد تزايد هذا التوجه الايراني منذ تصدي السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة لمحاولة إيران تقويض الأمن الداخلي لمملكة البحرين عام 2011، كما اكتسب هذا التوجه الايراني جرعة إضافية عقب قرار "عاصفة الحزم" وتدخل التحالف العربي بقيادة سعودية لوقف اعتداء وكلاء إيران على الشعب اليمني الشقيق والانقلاب على الشرعية الدستورية في البلاد بكل ماينطوي عليه ذلك من أخطار وتهديدات جسيمة للأمن القومي اليمني والخليجي على حد سواء.

ويخطىء من يظن أن وجود المؤسسات السياسية في إيران يجعل منها "دولة" وفق الأسس المتعارف عليها في العلوم السياسية المعاصرة، فقليلة هي النماذج المماثلة للنظام الايراني في عالمنا المعاصر، والأمر هنا لا يتعلق بالدكتاتورية والفقر والفساد فقط، بل يرتبط أساساً بوجود رؤوس مؤسسية للبلطجة الاقليمية والدولية، مثل ميلشيات الحرس الثوري، التي تعد نموذجاً معاصراً لنشر الفوضى والاضطراب في الاقليم. 

وقناعتي الذاتية أن هذه الملامح الرئيسية لغياب الهوية ستظل سمة ملازمة للنظام الايراني، بحيث يصعب معها استقرار مفهوم "الدولة" في ممارسات هذا النظام بكل ما يعنيه ذلك من غياب للبوصلة وميل إلى البلطجة والشغب الاقليمي، حتى يغيب الجيل الأول من رعاة الثورة ومؤسسيها عن الساحة السياسية الايرانية تماماً.