منذ أيام ألقى علي يونسي مستشار الرئيس الايراني لشؤون القوميات والأقليات الدينية كلمة بمناسبة وفاة الإمام الثامن في المذهب الشيعي الاثني عشري، علي بن موسى الرضا، كشف فيها بصراحة عن نوايا إيران وخططها الحقيقية في المنطقة، وبرهن على مانقوله مراراً بِشأن العداء الايراني التاريخي للعرب، حيث تباهي يونسي بجرائم تاريخية قائلا "عندما قتل الإيرانيون شقيق المأمون (الأمين) سحبوا السلطة من العرب إلى الأبد" الأمر الذي يفسر عدوانية إيران تجاه العرب، ويؤكد أن طموحاتها الفارسية التوسعية هي الدافع الرئيسي وراء ممارساتها الارهابية في المنطقة، وأن المسألة لا علاقة لها تماماً بما تدعيه طهران في خطابها السياسي الذي تصدره للبسطاء من أنها تساعد المستضعفين وتنتصر للمظلومين وغير ذلك من حديث الأفك الذي يتردد ليل نهار على ألسنة المسؤولين الايرانيين.

هناك دلالات عدة لهذه التصريحات الكارثية، ويبدو أنها لم تلفت انتباه الكثيرين رغم خطورتها ووقاحتها السياسية الشديدة، والدلالة الأولى لهذه التصريحات أنها تصدر عن مسؤول إيراني رفيع المستوى، بل هو مستشار للرئيس الذي يدعي أنه يتبني توجهاً معتدلاً حيال جيرانه العرب، والدلالة الثانية أن يونسي هو مستشار الرئيس الايراني لشؤون القوميات والأقليات الدينية، وإذا كانت هذه هي قناعة المستشار الرئاسي المختص بالتعاطي مع القوميات والاقليات الدينية بما فيها العرب السنة في اقليم الأحواز الايراني، فلنا أن نتخيل حجم العنصرية المتجذرة في الوعي السياسي الايراني حيال العرب السنة وغيرهم من القوميات في البلاد، فمن المعروف أن إيران دولة تضم العديد من الأعراق،  حيث لا يمثل الفرس سوى 51 % من سكان إيران، فيما يمثل الأذريون 24 %، والجيلاكيين- المازندانيين 8 %، والأكراد 7 %، والعرب 3 %، والبلوش 2 %، والأتراك 2 %، واللور 2 %، والعرقيات الأخرى واحد في المائة. وهذه النظرة العنصرية البغيضة تفسر بالمقابل عدالة مطالب الأقليات الايرانية جراء شعورها المتنامي بالظلم والتمييز الثقافي والاقتصادي ضدها، كما تفسر الأسباب التي تقف وراء مطالبها الانفصالية حيث يطالب البلوش بحكم ذاتي، كما يطالب اقليم الأحواز ذو الأغلبية العربية بحكم ذاتي أو الاستقلال عن إيران، وتطالب الأقلية الآذرية بالإنضمام إلى دولة أذربيجان، أو تكوين دولتهم الخاصة مثل الأكراد الذين يطمحون إلى انشاء دولة لهم، وهي مطالب تتنامى بمرور الوقت وتأخذ شرعية متزايدة ويتصاعد حماس المطالبين بها ويتجذر جراء شعور الأقليات المتزايد بالعزلة والغربة الثقافية عن المجتمع الإيراني.

ولاشك أن اللهجة التي تحدث بها علي يونسي ليست جديدة عليه شخصياَ فسبق له أن ردد مثل هذه التصريحات في مناسبات مختلفة، كما أن فحوى هذه التصريحات العنصرية الفجة ليست غريبة بشكل عام على المجتمع الايراني، فهو مجتمع شديد التعصب للعرق الفارسي واللغة الفارسية والمذهب الشيعي الإثني عشري وهو ما لا يمكنه من استيعاب الأقليات الأخرى ودمجها ثقافيا في المجتمع الإيراني. 

ما سبق سرده من تصريحات يونسي لا ينفي وجود تصريحات أخرى خطيرة في الكلمة ذاتها التي ألقاها، فكلمته في مجملها تعكس رؤية عنصرية بغيضة للواقع الاقليمي المضطرب، فهو يفسر كل الأحداث من منظور عنصري تاريخي، ويتحدث عن تنظيم "داعش" الارهابي باعتباره ممثل للعرب السنة (!) ويتهمه بأنه يسعى إلى "استعادة سيطرة العنصر العربي على العالم الاسلامي" ما يعني أن خطر "داعش" بالنسبة إلى إيران لا يتمثل في الارهاب، الذي لا يمثل أولوية لها، والذي تدعي أنه تتصدى له في سورية والعراق، بل إن دافعها إلى ذلك هو قلقها من سيطرة العرب على العالم الاسلامي!!

شخصياً، لا أشعر بأي مفاجأة في ما يتعلق بسبب عداء إيران لتنظيم "داعش" الارهابي، وأدرك تماماً أن دوافعها في ذلك عنصرية ولا تتعلق بالدفاع عن الدين الاسلامي الذي قام هذا التنظيم بتشويهه والاساءة إليه، إذ لا يمكن لدولة هي الراعي الأول للارهاب في العالم وفقاً لمختلف تقارير الدول الكبرى والمنظمات المتخصصة طيلة الأعوام الفائتة أن تتحول فجأة إلى خصم عنيد لتنظيمات الارهاب (!)، وكيف صدق عاقل أن إيران تكافح الارهاب وهي من ظلت ـ ولا تزال ـ تأوي عناصر تنظيم "القاعدة" وأسرهم على أراضيها؟ 

أزمة إيران الحقيقية هي أزمة هوية  فإيران تستشعر عزلة مذهبية وعرقية منذ القدم، فهي دولة شيعية في محيط ديموجرافي سني ضخم،  ودولة فارسية في محيط مختلط، ما يجعلها في حالة قلق توجس واستراتيجي دائم، ولاشك ان الموروث التاريخي  مع العرب السنة تحديداً يفاقم هذا الاحساس المرضي المزمن، ويدفع إيران إلى الاحساس بأعراض "معضلة الأمن" التي لا تجد لها حلاً سوى من خلال استعراض عضلاتها وممارسة سياسات استعمارية عفا عليها الزمن من أجل القضاء على هذه المخاوف.

ولاشك أن استدعاء الخلافات التاريخية والنفخ في الثآرات الطائفية سيقضي على الأخضر واليابس في المنطقة، ويعيد تجربة الحروب الدينية التي عانتها القارة الأوروبية في العصور الوسطى، كما عاناها العالم الاسلامي ذاته في فترات متعددة من تاريخه، ومن ثم فإن تصريحات علي يونسي تعكس موقفاً سياسياً غير مسؤول وغير مدرك لخطورة مايقول سواء لجهة التباهي الوقح في مارس الماضي باحتلال عاصمة عربية عريقة هي بغداد، أو لجهة النفخ الآن في الصراعات الطائفية التاريخية واستحضار عداوات عفا عليها الزمن. وفي تقديري، فإن هذه التصريحات والمواقف الايرانية المتكررة تستهدف اشعال حروب جديدة في المنطقة، وهو هدف تتشارك فيه إيران وتنظيمات الارهاب مثل "داعش" و "القاعدة" ولكنها ـ في جميع الأحوال ـ تسقط الأقنعة عن وجه إيران وتكشف خبثها وعدائها الدفين للعرب، كما تفضح كل من يقوم بالمطالبة بقيام تحالف مصالح معها أو يقول بامكانية قيام علاقات طبيعية معها.