أجري الحوار ــ صلاح مرسي: حالة مجلس التعاون .. أفضل 
* هل مجلس التعاون الخليجي قادر علي مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة بعد انحياز قطر لإيران؟ 
** قطر لم تكن قوة مركزية في إطار حسابات القوة الشاملة لدول مجلس التعاون كي نقول ان انحيازها لإيران جاء خصماً من قوة دول مجلس التعاون. والأزمة مع قطر هي مسألة "صغيرة جداً جداً" كما وصفها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في إطار ما يواجه دول المجلس من تحديات استراتيجية بالغة التعقيد والتشابك. وملخص قولي ان مجلس التعاون من دون قطر بسلوكها الملتبس الذي لا يصب في مصلحة دول وشعوب المجلس هو في حالة أفضل من وجود قطر. الذي يعني واقعياً وجود طرف لا يمكن التعامل مع قيادته في إطار من الثقة المطلقة. ولا يجب ان ننسي انها هي التي دعت الرئيس الإيراني السابق أحمد نجاد إلي القمة الخليجية في الدوحة 2007.

فكان أول رئيس أجنبي يحضر قمة دول المجلس ويطرح مقترحات تخالف عقيدة دول المجلس وتستهدف تقويض المنظومة الخليجية من جذورها ودمج إيران من دون حل أوتسوية القضايا الخلافية القائمة عبر ضفتي الخليج العربي. وفي مقدمتها الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث "طنب الكبري وطنب الصغري وأبوموسي" فضلاً عن البرنامج النووي الإيراني. الذي كان ولا يزال يمثل أحد الهواجس البيئية والأمنية لدول مجلس التعاون. كون مفاعل بوشهر علي سبيل المثال لا يبعد سوي 240كم عن أقرب عاصمة خليجية. وهو مفاعل إيران النووي الرئيسي وتم بناؤه وفق تقنيات قديمة لا تضمن عوامل الأمان الرئيسية ولا تأخذ البيئة في اعتبارها. ما أريد قوله ان مجمل حسابات القوة الشاملة الخليجية في إطار ميزان القوة العسكري. من دون قطر بطبيعة الحال. يتفوق علي إيران بمراحل. ولكن المسألة ليست في وارد المقارنات العسكرية الآن. رغم ان الأزمات الاستراتيجية المعقدة تعني ان كل الخيارات واردة ومطروحة. 
وهنا أتحدث كباحث ومراقب - وليس بأي صفة أخري - فعندما أقوم بتحليل الأزمة بين دول مجلس التعاون وإيران أري أن كل الخيارات واردة. ويجب ان تأخذها كل الأطراف بالاعتبار. وقطر هي الخاسر الأكبر سواء في ظل أي تصعيد محتمل للأزمة. أو حتي بقاء الأزمة ضمن مربع التوتر المحسوب. وإدارتها وفق منطق الحرب الكلامية أو الحرب الباردة. 
فقطر تعتمد علي الاحتياطي المالي الذي دفعها للغرور في إدارة أزمتها وصور لها انها يمكن ان تكون لاعباً استراتيجياً رئيسياً يمكن ان يقلب معادلات المنطقة. ولكن مع تآكل هذا الاحتياطي وانحساره بفعل استمرار الأزمة مع الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب. نلحظ الآن مدي معاناة الاقتصاد القطري تحديداً جراء هذا الوضع المتفاقم. وهو أمر تعكسه التقارير الدولية المحايدة. فضلاًعن سلوك قطر السياسي والإعلامي الذي يعكس مستوي عالياً من الذعر والاضراب جراء انحسار الأضواء عن أزمة وغيابها وسط أزمات المنطقة الأخري. التي تحتل أولوية أكبر بمراحل من الأزمة القطرية. 
ودعني أذكرك مجدداً. بأنه في عصر الرئيس السابق حسني مبارك كان يعتبر ان "أمن الخليج يرتبط بالأمن القومي المصري". وصرح وزير الخارجية المصري الأسبق عصمت عبدالمجيد غير مرة بأن كل ما يهدد استقرار دول منطقة الخليج هو تهديد مباشر لمصر". وهذا ما يؤكده الرئيس عبدالفتاح السيسي. الذي يؤكد دائماً أن الأمن القومي لدول الخليج هو جزء من أمن مصر. "وأن أمن الخليج هو خط أحمر بالنسبة لنا" وقال مؤخراً "يجب علي الآخرين ألا يتدخلوا في شئوننا ولا يصلوا بالأمور إلي شكل من أشكال الصدام". 
في اشارة ضمنية للتدخلات الإيرانية في الشئون الداخلية للدول العربية. 
قطر تحضر المؤتمر 
* هل ستحضر قطر القمة الخليجية القادمة؟ 
** من خلال فهمي للعقلية القطرية التي تقود البلاد في المرحلة الراهنة. أنها ستحضر لو انعقدت القمة بالفعل. وبغض النظر عن مستوي التمثيل القطري المتوقع. لأن هذا سيخضع لحسابات المقارنة مع الدول الأخري المشاركة. فضلاً عن التخطيط القطري للمواقف والسياسات خلال القمة. واعتقد ان قطر ستحاول استغلال القمة. لو عقدت بمشاركتها بالفعل - في الاستعراض السياسي والإعلامي. وإثارة أكبر قدر من الجلبة والضوضاء الإعلامية من أجل إعادة تموضع أزمتها إعلامياً وسياسياً وسط الأزمات التي تعصف بالمنطقة. كما أتصور أن مشاركة قطر من عدمه بل التئام القمة نفسها لا يزال أمراً غير واضح ولا تزال حسابات دولة الكويت الشقيقة بشأن عقد القمة في موعدها غير واضحة. ولا سيما ما يتعلق بوجود تفاهمات سرية سبقت الدعوة الكويتية أم أن الدعوة لانعقادها مسألة بروتوكولية تعكس عدم التوصل إلي تفاهمات من الأساس حول الانعقاد. 


* الأزمة القطرية مع الدول الأربعة. ما هي رؤيتكم للخروج من هذه الأزمة وهل قطر فعلاً داعمة للإرهاب في مصر ودول الربيع العربي. وهل من الممكن لهذه الدول التوجه للجنائية الدولية؟ 
** الخروج من الأزمة مرهون بموقف قطر ورؤيتها للتسوية. فالدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب تعاني جراء سياسات قطر وسلوكها المرتبط بتنظيمات الإرهاب ورعايتها وتوفير منصات إعلام وتحريض لها. وبلورت هذه الدول موقفها في بيان وشروط واضحة. ولم يصدر في المقابل من قطر سوي كلام مرسل مثل الاستعداد للتفاوض وتكرار رفض التدخل في السيادة وغير ذلك من عناوين لا تعبر عن مضمون الأزمة بل تستهدف صرف الأنظار عن فحواها الحقيقية. ولو كانت قطر جادة في تسوية أزمتها لكان حرياً بها تفنيد الاتهامات الموجهة إليها بالدليل والبرهان عبر الوسيط الكويتي. ولكن هناك مراوغة وهروباً للأمام والخلف ومحاولة الاستقواء بالخارج عبر تحالفات لا أساس قوياً لها مع إيران وتركيا. رغم ان إيران هي الطامع والطامح الأكبر لالتهام قطر ومواردها الغازية. وأي باحث مبتدئ يعرف ان إيران سعيدة بارتماء قطر في أحضانها وانعدام الخيارات أمام الدوحة بعد ضياع حاضنتها الطبيعية الخليجية. ما يجعل قطر أسيرة لرغبات إيران وأطماعها المعروفة في الثروة الغازية القطرية! 
وبالتالي فإن الحديث عن مخارج للأزمة مرهون بالأساس باستجابة قطر مع مطالب الدول الأربع. والتوجه مباشرة نحو الهدف من دون التفاف ورغبة مسبقة في الاستعراض وإثبات الذات من دون نوايا جادة للحل. أما مسألة دعم قطر للإرهاب في مصر فهناك دلائل قوية عرضتها الشقيقة مصر علي العالم. وهناك شواهد أخري ظاهرة للعيان منها ما يرتبط بالدور الإعلامي القطري في توفير منصة تحريض لا تكف عن التدخل في شئون مصر والسعي للوقيعة بين الشعب وقيادته التي اختارها. فضلاً عن الترويج لتنظيم إرهابي هو "الإخوان المسلمين" واستضافة قادته ورموزه وتجاهل إرادة الشعب المصري الذي خرج بالملايين ضد هذه الجماعة الإرهابية وأعلن رفضه لحكم المرشد في ثورة يونيو العظيمة. ومحاولات قطر لتخريب مصر ونشر الفوضي فيها تسبق عام 2011 بسنوات فكلنا يعرف طبيعة الخلافات بين نظام الرئيس مبارك وقطر. التي كانت ولا تزال جزءاً من مشروع كبير لنشر الفوضي والاضطراب في المنطقة العربية وتفكيك دولها. وقد حدث هذا بالفعل في بعض الدول كما نري. بينما فشل المخطط في دول أخري مثل مصر. 
وبالتأكيد هناك آليات دولية لتقديم القيادة القطرية للعدالة الدولية. ولكن أعتقد أن القادة العرب يتعاملون مع تصرفات قطر وسلوكها السياسي حتي الآن عبر تغليب منطق العقل فضلاً عن حسابات الأولويات التي تضع قطر في مرتبة دنيا بين أزمات المنطقة وشواغلها الرئيسية. 


* هل لحصار قطر علاقة بزيارة ترامب للسعودية؟ 


** ليست هناك علاقة مباشرة باعتقادي بين زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية وقرار مقاطعة قطر. وأتعقد ان كل ما حدث أن الكيل قد فاض بالفعل من ممارسات قطر وسلوكها السياسي وقد تزامن هذا مع متغيرات أخري عدة منها رفع غطاء الحماية الأمريكي عن قطر نسبياً وتعامل إدارة الرئيس ترامب بقدر أعلي من سابقتها مع مراوغات قطر وازدواجيتها. فضلاً عن ان إدارة ترامب لا تنظر بارتياح لدور قطر وعلاقاتها مع الإرهاب. 
وهذا الأمر ربما يكون قد أسهم نسبياً في اتخاذ قرار مقاطعة قطر ولكنه ليس العامل الأساسي في اتخاذ هذا القرار لأننا نتحدث عن أربع دول عربية تعاني بالفعل منذ سنوات جراء الدور القطري.