هناك تطورات متسارعة كثيرة ويصعب حصرها، في منطقة الشرق الأوسط، ويبرز وسط هذه التطورات دور روسيا المتنامي ليس في سوريا فقط بل على صعيد المنطقة برمتها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قام يوم الثاني عشر من ديسمبر الجاري بزيارة إلى مصر، وهي زيارة بالغة الأهمية والدلالة في إطار ما يمكن تسميته بدور روسيا الجديد في الشرق الأوسط، حيث يسعى بوتين، وهو مقبل على التنافس في انتخابات رئاسية جديدة ولاية رئاسية رابعة في بلاده، على إعادة بناء دور بلاده في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

الواضح في سوريا أن هناك تحالفاً تكتيكياً بين روسيا وإيران وتركيا لتقاسم المصالح والمكاسب أيضاً بعد الانتهاء من طرد تنظيم "داعش" الإرهابي من الأراضي السورية، وهناك تباين في الأهداف بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا، والآن تنتقل روسيا إلى مرحلة ثانية من هذا التحالف عبر فتح ملف التسوية السياسية للأزمة في سوريا تمهيداً لبدء مرحلة إعادة الإعمار، والتنسيق مع مصر والسعودية في هذه المرحلة يبدو ضرورياً للتعامل مع أزمة سوريا في المرحلة المقبلة.

المرحلة المقبلة في سوريا بالنسبة لروسيا قائمة على ما يمكن وصفه بـ "إعادة تعويم" النظام السوري عربياً ودولياً بعد موافقة القوى الكبرى على تبني الواقعية السياسية في التعامل مع الملف السورين وقبولها بإرجاء النقاش حول مصير النظام إلى مراحل لاحقة، وهذا الأمر يتطلب تنسيقاً مع الدول العربية، ولاسيما السعودية، باعتبار أن مصر ليس لديها موقف مسبق حيال بقاء النظام السوري، بل تراهن على ضرورة تماسك الدولة الوطنية في سوريا واستئصال التنظيمات الإرهابية تماماً.

زيارة بوتين لمصر ليست محصورة في الملف السوري فقط، بل شملت مصالح اقتصادية واستراتيجية تعيد تموضع روسيا ضمن أولويات الاهتمام الاستراتيجية المصرية، فهي "زيارة سريعة ومركزة" كما وصفها متحدث رسمي مصري، وشهدت إطلاق إشارة البدء في تنفيذ مشروع الضبعة النووي، الي يمكن ان يكون أحد أبرز رهانات الرئيس السيسي في برنامجه الرئاسي للترشح لولاية رئاسية ثانية، فضلاً عن ملف عودة السياحة الروسية لمصر، الذي يمثل أولوية قصوى بالنسبة لمصر، فضلاً عن تقديرات باتفاقات اقتصادية تبلغ في مجملها نحو سبعة مليارات دولار، أي أن روسيا تستعيد أرضية مهمة لها في المنطقة عبر البوابة المصرية، لاسيما في هذه الظروف التي تتخذ فيها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواقف محرجة للحلفاء الشرق أوسطيين ومن بينهم مصر بطبيعة الحال.

الرهان الآخر لبوتين عربياً يتمثل في السعودية، التي تعمل معها موسكو بتركيز في الملف السوري، وتحدث الجانب السعودي مؤخراً عن تحول علاقات البلدين النفطية من التنافس إلى الشراكة والعمل المشترك عبر تصدير الغاز الروسي المسال إلى السعودية، وهذا يعني ان هناك واقع استراتيجي جديد في أسواق الطاقة العالمية، وتعاونهما في مجال الغاز بعد إطلاق مشروع "يامال للغاز الطبيعي المسال" في روسيا يعني تحولات نوعية مهمة في العلاقات وشبكة المصالح والتحالفات اقليمياً ودولياً.

هناك ايضاً استثمارات مشتركة يبحثها صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية والصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة، بقيمة إجمالية تفوق 10 مليارات دولار.

بوتين يحاول توظيف انسحاب الولايات المتحدة من دائرة التأثير والنفوذ الدولي، ويطرح روسيا في مواضع ومناطق جيواستراتيجية كثيرة ليس بديلاْ للولايات المتحدة ولكنه يزاحم نفوذها بقوة. إنها تحركات مهمة وتستحق المتابعة على قطعة الشطرنج الشرق أوسطية، فروسيا تعيد بناء دورها وتطرح نفسها مجدداً عبر بوابة الاقتصاد والتجارة والمصالح، وتعتمد مبدأ المصالح أولاً، وهنا تتسع دائرة خيارات العرب الاستراتيجية، كما تبدو أيضاً خارطة العالم الجديد في عصر التحولات الكبرى.