ربما يدرك الكثيرون أن الدبلوماسية البرلمانية لها دور حيوي في العلاقات الدولية المعاصرة، فهي تمتلك هوامش حركة واسعة مقارنة بالدبلوماسية الرسمية، التي تمثلها وزارات الخارجية والهيئات الدبلوماسية للدول، فالدبلوماسية البرلمانية لا تحمل صفة العمل السياسي الرسمي في إطاره التقليدي، بمعنى أنها ليست محسوبة على الحكومات، وبالتالي فهي لا تخلف تبعات ومسؤوليات على عاتق الدبلوماسية الرسمية.

الدبلوماسية البرلمانية يمارسها ممثلو الشعوب في البرلمانات، وتتصل بعلاقاتهم مع برلمانات الدول الأخرى وأعضائها، وتتجلى كذلك في مشاركاتهم في المحافل والفعاليات والأنشطة التي تنظمها الاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الاتحاد البرلماني الدولي، الذي عقد اجتماعاته مؤخراً في روسيا، حيث شهد واقعة طرد مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي لرئيس وفد الكنيست الإسرائيلي من قاعة الاجتماعات، واتهام دولته (إسرائيل) بممارسة إرهاب الدولة وقتل الأطفال الفلسطينيين.

تصدر الغانم بموقفه "تريند" موقع "تويتر" وحصل على شعبية عربية وإسلامية جارفة في ساعات قلائل، بعد تبادل مقطع الفيديو الخاص بكلمته التي القاها في الجلسة الختامية للمؤتمر، وهو ما علق عليه الغانم شخصياً بالقول "إن طرد الكنيست الإسرائيلي من الاتحاد إنجاز لم يتحقق منذ نصف قرن"، وبالتالي فنحن أمام حالة من حالات تحرك الدبلوماسية البرلمانية لتحقيق مكاسب للدول، من دون تحمل تبعات رسمية مباشرة لهذا التحرك، بدليل أن أمير الكويت قد وجه برقية تهنئة لرئيس مجلس الأمة عقب موقفه هذا، ووصف فيها موقف الغانم بالمشرف، وتبناه بشكل غير مباشر حين ذكر في برقيته مشير إلى هذا الموقف بأنه "يجسد جليا موقف دولة الكويت الداعم للأشقاء الفلسطينيين لاستعادة حقوقهم المشروعة ونصرة قضيتهم العادلة.".

نظرياً، لا يمكن اعتبار الدبلوماسية البرلمانية تعبير عن وجهة النظر الرسمية لدولة ما، باعتبار أن ممثليها يمتلكون نطاق أو هامش حركة خاص بهم يعبرون من خلاله عن مواقف واتجاهات الرأي العام أو الشعوب التي يمثلونها تجاه موضوع أو قضية ما، ولكن واقعياً هم يعبرون عن الدولة وتوجهاتها، فهم جزء أصيل منها وبالتالي فلا تعارض بين الدبلوماسيتين، ولكنه نوع من التكامل والتآزر، فإحداهما (البرلمانية) تحرر الثانية (الرسمية) من القيود التقليدية أو سقف الحركة الرسمي، وتعبر عما يجول بخاطرها وتفتح لها في أحيان كثيرة مسارات التحرك ومجالاته.

في الدول المتقدمة، هناك تنسيق وتبادل أدوار، أو بالأحرى توزيع أدوار متفق عليه بين الدبلوماسيتين، وليست علاقة تبعية مطلقاً، فكلاهما تستفيد من الأخرى وتفيدها، ويبرز هذا الأمر بوضوح في البرلمانات الأوروبية والكونجرس الأمريكي، حيث يتحرك البرلمانيون بحرية في الملفات السياسية، مع الالتزام بثوابت سياسات دولهم حيال هذه الملفات، ولكنهم يعملون دائماً خارج نطاق مايعرف بالخطوط الخضر للدبلوماسية الرسمية، ويتماسون مع الخطوط الحمر لها ويقتربون منها في سعي دائم لانتزاع المكاسب للرسميين من خلال ممارسة الضغط على برلمانات الدول الأخرى، وأحياناً قادتها كما يفعل نواب الكونجرس الأمريكي في زياراتهم وتحركاتهم بدول العالم المختلفة، حيث ينجحون في حالات كثيرة في انتزاع مكاسب سياسية واقتصادية وامنية لمصلحة دولهم من خلال النظر إليهم باعتبارهم قوة مؤثرة في صناعة القرار المؤسسي الأمريكي.

الدبلوماسية البرلمانية هي أيضاً انعكاس لما يعرف بديمقراطية العلاقات الدولية، وهي تدار بفاعلية بين الدول المتقدمة، ولكن دورها لا يزال محدوداً أو ضعيف الأثر في الكثير من الدول النامية لأسباب واعتبارات تتعلق بالهياكل السياسية لأنظمة الحكم وغير ذلك.

ولدينا في دولة الامارات العربية المتحدة المجلس الوطني الاتحادي، حيث يلاحظ وجود توجه ملموس لتفعيل دور الدبلوماسية البرلمانية منذ تولي د. أمل القبيسي رئاسته، حيث تركز كثيراً، كما يلاحظ، على تنشيط دور المجلس في السياسة الخارجية، واستطاعت أن تشعرنا بنشاط المجلس على الصعيد الدولي، وهو توجه يحسب لها شخصياً، ويحسب قبل ذلك للقيادة السياسية التي تقدم لها الدعم للاستفادة من أدوار الدبلوماسية البرلمانية في تحقيق المصالح الاستراتيجية للدولة.

وقد تابعت خلال مشاركة المجلس في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي مؤخراً في روسيا، نجاح جهود المجلس الوطني الاتحادي في استصدار قرار برلماني دولي بشأن وقف اضطهاد اقلية الروهينجا في ميانمار، وهو جهد يكمل دور الدبلوماسية الرسمية، التي أدانت هذه الجرائم وقدمت المساعدات الإنسانية للاجئي الروهينجا منذ بدايات تفاقم الأزمة.

واعتقد أن التركيز على دور المجلس الوطني الاتحادي خلال الفترة المقبلة في السياسة الخارجية يعزز تحركات الدبلوماسية الرسمية على الصعيد الدولي، ويمنحها المقدرة على انتزاع مزيد من المكاسب والدعم لمواقفها وسياساتها الخارجية، ولكن هذا الامر يتطلب وجود دراية وإلمام لدى أعضاء الوفود المشاركة في الفعاليات البرلمانية الدولية، ما يضع على المجلس عبء تعزيز هذا الجانب لدى الأعضاء وتزويدهم بالخبرات اللازمة من خلال جلسات النقاش وحضور المؤتمرات والندوات وغير ذلك، كي يستطيع العضو التعامل مع المواقف الصعبة، لاسيما الإعلامية منها، حيث يمكن أن يضطر للرد على تساؤلات شائكة لوسائل إعلام أجنبية تنتظر منه التعبير عن موقف خارج نطاق السياسات الرسمية للدولة.

 

siyassa