من بين مقالات وتحليلات كثيرة تناولت أبعاد الزيارة التاريخية التي قام بها إلى روسيا مؤخرًا العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، قرأت مقالات تحلق بالتحليل بعيدًا ضمن ما أسميته في مقال سابق بالتحليل بالتمني، كما قرأت آراءً تحلق في الخيال السياسي ولا تستند إلى الواقع ومعطياته بالمرة.

ولكن من أغرب ما تابعت مقال نشرته صحيفة قطرية يقول كاتبه "إن هدف هذه الزيارة (يقصد زيارة العاهل السعودي) هو إقناع روسيا بكبح جماح إيران ووقف توسعها السياسي والجغرافي"، مشيرًا إلى أن بوتين "لن يغير موقفه بشأن طهران إرضاء لأحد، حتى لو كانت السعودية"، ولم يكتف بهذه السذاجة التحليلية بل يمضي إلى القول "قد يكون من مصلحة موسكو في ضوء هذه المستجدات، إرضاء أنقرة وطهران، أكثر من إرضاء الرياض التي شعرت الآن بضرورة ذهاب الملك بنفسه إلى روسيا، بعد أن سلّم أوباما النسخة الأمريكية الأولى من مفاتيح سوريا إلى بوتين، ثم سلمه ترامب النسخة الثانية"!

هكذا تفهم السياسة من جانب الإعلام القطري المغرق في سطحيته، مثل هذا المقال يدعو إلى طرح أسئلة عديدة على كاتبه، ومنها: هل تعتقد أن السعودية تذهب إلى روسيا بكل ثقلها ومكانتها الاستراتيجية كي تطلب من الرئيس الروسي تغيير موقفه إزاء إيران مقابل علاقات جديدة مع السعودية؟؟! 

أبجديات السياسة والعلاقات الدولية غائبة في مثل هذه التصورات المتهافتة لعلاقات دولة ذات ثقل مثل المملكة العربية السعودية، ولو كان هذا التصور صحيحًا فلمَ تأخرت الرياض في الاقدام على هذه الخطوة؟ ولمَ لم تفعلها خلال فترة توتر علاقاتها أواخر عهد الرئيس أوباما ولم يكن لديها وقتذاك ما تخسره بعد أن وصلت العلاقات بين البلدين الحليفين إلى تدهور غير مسبوق بسبب تهافت الرئيس الأمريكي السابق على توقيع اتفاق نووي مع إيران؟ ألم يتصور الكاتب أن التوقيت المثالي للعب هذه الورقة "الساذجة" كان في تلك الفترة وليس في ظل وجود رئيس امريكي يقدم أقوى دعم ممكن لجهود الرياض في مكافحة الإرهاب ويتبنى تصوراتها الاستراتيجية في القمة العربية الإسلامية الأمريكية التاريخية التي عقدت في الرياض؟

ثم من أقنع الكاتب بأن المعطيات التي استند إليها في مقاله تغيب عن طالب مبتدئ في دراسة العلوم السياسية فما بالنا بدولة لها موروث وثقل سياسي تاريخي في الشرق الأوسط والعالم؟ وكيف يحاول الكاتب إقناع القراء بأن السعودية ستطلب من رئيس لدولة كبرى بحجم روسيا أن يغير مواقفه من هذه الدولة أو تلك بإغراء الصفقات الاقتصادية أو غير ذلك!

من البديهيات أن تبحث السعودية عن مصالحها الاستراتيجية أينما كانت، ومن الطبيعي أن تعيد قراءة مسار علاقاتها مع روسيا في ضوء المعطيات الاستراتيجية الراهنة، وأن تتخذ من القرارات ما يناسب مصالح الدولة والشعب السعودي والأمن والاستقرار الخليجي والعربي، فالقاعدة الحاكمة هي أن عليك أن تتحرك وتطرح أوراقك، وعلي أن أتخذ ما يناسبني من قرارات، وهكذا تدار العلاقات الدولية!

مثل هذه التحليلات البائسة التي ينشرها الإعلام القطري تعكس حقدًا دفينًا وذعرًا عميقًا من التحركات الاستراتيجية للشقيقة السعودية على الصعيدين الإقليمي والدولي، فلا يجد الإعلام القطري سوى تنفيذ ما يملي عليه من خلال الاستناد إلى أقاويل ومزاعم واهية في محاولة للنيل من هذه التحركات الاستراتيجية المهمة للمملكة.

لم يجد الإعلام القطري في تحرك إيران نحو الولايات المتحدة عام 2015 وتوقيعها الاتفاق النووي مع إدارة أوباما أي عيب، بل اعتبره وقتذاك تحركات عبقريًا للملالي من أجل توسيع دائرة النفوذ والتأثير الإقليمي والدولي، ولكنه يأخذ الآن على الشقيقة السعودية تحركها الجاد للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في أسواق النفط وبناء شبكة علاقات اقتصادية وتجارية جديدة مع روسيا!

مثل هذه التصورات تعكس غياب أي مهنية عن الإعلام القطري، بل تكشف تحوله إلى خنجر في خاصرة الدول الخليجية والعربية من خلال خدمة أعداء شعوبنا وترديد أفكار تنشرها الصحف الفارسية والترويج لها في صحف قطرية.

تدرك قطر أن زيارة العاهل السعودي إلى روسيا تمثل تحولًا استراتيجيًا مهمًا في خارطة التحالفات والعلاقات الدولية والإقليمية، كما تدرك قطر أيضًا انها الخاسر الأوحد في ظل تحركات الكبار على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية!

 

sada