وسط انشغالات الغالبية بترقب زيارة الرئيس دونالد ترامب للمنطقة، وانعقاد القمة الإسلامية - الأمريكية، استضاف التنين الصيني يوم السبت الرابع عشر من مايو الجاري، قمة خصصت للاحتفال بإطلاق مبادرة "الحزام والطريق"، التي تعبر بقوة عن طموحات الرئيس الصيني شيجينبينغ في تعزيز النفوذ الصيني عالميًا، حيث شارك نحو 29 من الرؤساء والقادة، من مختلف دول العالم، فضلًا عن 1500 مندوب من 130 بلدًا و70 منظمة دولية، والأمين العام للأمم المتحدة، وشارك فيها ممثلون عن دول عربية عدة منها دولة الإمارات، في تجمع هو الأكبر من نوعه في بكين منذ دورة الألعاب الأوليمبية عام 2008.



الحديث عن طريق حرير جديد بدأ منذ عام 2013، من خلال مبادرة كانت تسمى "حزام واحد وطريق واحد"، وتتضمن إنفاق الصين مليارات الدولارات على استثمارات في البنى التحتية وشبكات الطرق لإنشاء طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية.

طريق الحرير يشمل فرعين أحدهما بري والآخر بحري، وهناك استثمارات ضخمة تنفق على هذا المشروح الطموح، وتقدر بنحو 150 مليار دولار، تستثمرها الصين في نحو 68 دولة وافقت على المشاركة في هذه المبادرة.
المبادرة تنموية - اقتصادية بالأساس، ولكن السياسة ليست غائبة عنها، والتصريحات الرسمية الصينية لا تخفي ذلك، فقد قال وانغ شياوتاو، نائب رئيس مفوضية التنمية والإصلاح الوطنية الصينية، إن الغرض من القمة "هو تأسيس قاعدة أكثر انفتاحا وكفاءة للتعاون الدولي، وشبكة أكثر قوة من الشراكات مع الدول المختلفة، والدفع باتجاه إنشاء نظام دولي أكثر عدلا وعقلانية واتزانا".

الهدف الرئيسي إذن هو بناء نظام دولي أكثر عدلًا وعقلانية واتزانًا بحسب المسئول الصيني، ورغم أن الرئيس الصيني سعى إلى طمأنة الغرب في كلمة ألقاها أمام المشاركين في القمة بأن المشروع -الذي يلقب بطريق الحرير الجديد - ليس مجرد وسيلة لتعزيز نفوذ الصين على المسرح الدولي، فإن الجميع يدرك أن تنامي القوة الاقتصادية الصينية سيترجم في يوما إلى نفوذ استراتيجي عالمي.

المراقبون الغربيون يرون أن فوائض الإنتاج الصناعي الصيني تعد أحد أهم الدوافع التي تقف خلف المبادرة، فالصين التي تنتج كميات هائلة من المواد الخام والمصنعة، تحتاج إلى أسواق ضخمة لاستيعاب هذه المنتجات، فعلى سبيل المثال، تنتج الصين نحو 1.1 مليار طن من الفولاذ سنويًا، وهي كمية تعادل تلك التي تنتجها كل دول العالم الأخرى، ولكنها لا تستهلك داخليا إلا 800 مليون طن، وبالتالي يصبح البحث عن الأسواق مهمة استراتيجية بالغة الإلحاح.

الصين تقول إنها تسعى إلى بناء نموذج بديل للتفوق العالمي، بمعنى تفادي الدخول في صراعات وحروب من أجل الهيمنة والنفوذ، فهي تسعى إلى تكريس نموذج جديد قائم على القوة الناعمة، من خلال التعاون وبناء الجسور والمصالح المشتركة، ولكن كل ذلك لا ينهي مخاوف قوى إقليمية كبيرة مثل الهند واليابان، اللتان غابتا عن القمة، وعبرتا عن شكوكهما بأن المشروع الصيني يخفي نوايا الهيمنة على موارد استراتيجية وطموحات جيوسياسية، والشكوك لا تقتصر على هذه الدول، فهناك آراء الخبراء الذين يرون أنه طموح غير واقعي، لكن علينا أن نراقب الأمر باهتمام لأن هذه الرؤية الصينية الطموحة تشارك فيها قرابة 70 دولة تمثل 60٪ من سكان العالم وتمتلك ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي، علاوة على أن بوادر المشروح ظهرت بالفعل منذ أن وصل بالفعل إلى لندن أول قطار بضائع يربط مباشرة الصين بالمملكة المتحدة بداية 2017، بعد رحلة استمرت 18 يوما بلغ طولها 12 ألف كيلومتر.

البيان الختامي الصادر عن القمة يقول إن المشاركين "يؤكدون التزامهم المشترك ببناء اقتصاد مفتوح وضمان حرية النشاط التجاري ومواجهة أي شكل من أشكال الحمائية في إطار مبادرة الحزام والطريق"، ويمضي البيان قائلا: "سنحاول الترويج لنظام تجاري شامل ومفتوح وغير تمييزي وعادل ومبني على القانون، نظام تكون منظمة التجارة العالمية في قلبه"، وهذه رؤية أقل ما توصف به أنها "مثالية"على أن تبقى فرص تحققها على أرض الواقع قيد الاختبار.

المشروع بأكمله طموح صيني، تسعى بكين من خلاله إلى إيجاد فرصة مواتية لنشاط تجاري يقدر أن يزيد على 2.5 تريليون دولار في غضون عقد واحد، حيث يمثل المشروع رافعة استراتيجية هائلة للاقتصاد الصيني خلال السنوات المقبلة، حيث يوفر له خطط تحفيز مهمة يمكن أن تضمن مزيدا من التفوق الاقتصادي الصيني عالميًا.

ويشمل المشروع تشييد شبكات من الطرق والسكك الحديد وأنابيب النفط والغاز وخطوط الطاقة الكهربائية والإنترنت ومختلف البنى التحتية البحرية في مناطق غرب وجنوب آسيا باتجاه اليونان وروسيا وعمان، ما يعزز اتصالات الصين بالقارتين الأوروبية والأفريقية، لذا فهو يعتبر رهان الصين الأكبر في القرن الحادي والعشرين، وهذا الأمر يبدو ملحوظًا من خلال اللجنة التي شكلتها الصين للإشراف على تنفيذ المشروع، والتي تضم مسئولين كبارا منهم مستشارون موضع ثقة الرئيس الصيني، وفي مقدمتهم مسئول مكتب الأبحاث في الحزب الشيوعي وانغ هونينغ الذي يعتبر من أبرز مستشاري الرئيس شيجينبينغ.

وكان واضحًا من خلال لقاء الرئيس الصيني بقادة دول كثيرة منها بنجلادش وكمبوديا ولاوس ومنغوليا وميانمار وطاجيكستان وباكستان في قمة طريق الحرير أن هناك توجها صينيا قويا لبناء شبكة مصالح تجارية قوية مع الشركاء الآسيويين.

بالنسبة للدول العربية، هناك مساران مشمولان في طريق الحديد الجديد، فهناك خط بري يمر بالعراق، وخط بحري يمر بمضيق باب المندب ويعبر قناة السويس، وهما يشكلان أحد أهم الممرات الاقتصادية الستة لطريق الحرير التي تربط المبادرة بمنتهاها الأوروبي وهو "ممر الصين آسيا الوسطى غرب آسيا"، ومن ثم علينا أن ندرس الفرص والتحديات في هذا المشروع الطموح، لاسيما أن دولًا إقليمية مثل تركيا ستلعب دورًا فاعلًا فيه.

 

sada