"الذئاب المنفردة" مفهوم أطلقه الخبراء والمتخصصون على عناصر متشددة أو متطرفة ترتكب جرائم إرهابية بتنسيق غير مباشر مع تنظيمات إرهابية، بمعنى أن مثل هذه العناصر ترتكب جرائمها عبر تعليمات غير مباشرة وليست محددة من جانب قادة الإرهاب، وعادة ما يكون هذا العنصر المتطرف غير مؤطر حركيًا، أي ليس عضوًا نشطًا بالتنظيم، وربما يكون عضوًا خاملًا، أو ضمن ما يعرف بالخلايا النائمة، التي تنشط في توقيتات محددة من أجل تنفيذ جرائم إرهابية. والملاحظ أن الجرائم التي ارتكبت خلال الفترة الأخيرة في دول أوروبا عدة تحديدًا قد تمت بمعرفة عناصر غير مؤطرة تنظيميًا، بما يجعل مهمة اكتشافها مسألة في غاية الصعوبة بالنسبة لأجهزة الأمن، وهو الأمر الذي تراهن عليه التنظيمات.



جوهر عمل "الذئاب المنفردة" يكمن في الإيحاء بارتكاب الجريمة الإرهابية بشكل عام، ومن دون تحديد أهداف أو مناطق بعينها، بل يتم التحريض على الجريمة بشكل عام عبر "الإنترنت"، بحيث يقوم كل عنصر "متعاطف" أو "خلية نائمة" بالتحرك للتنفيذ وفقًا لهامش الحركة المتاح له، بحيث يحدد الأهداف ويختار مواعيد التنفيذ وأداة الجريمة وفقًا لتصوراته وخبراته الحياتية، ومن دون توجيه مباشر من أي تراتبية تنظيمية، ولكن قد يحدث في بعض الحالات توفير التمويل اللازم والاكتفاء بذلك أو التوجيه نحو أهداف محددة.

في مجمل الأحوال، فإن هذه العناصر هي الأخطر، حتى الآن، بل إن مستوى خطرها يفوق بمراحل العناصر المؤطرة تنظيميًا وحركيًا، وهي عناصر يمكن تتبعها ومراقبة حركاتها واتصالاتها، ولكن من الصعب جدًا اكتشاف المتعاطفين مع الفكر المتشدد، الذين يمكن أن يتحولوا في وقت قصير جدًا إلى عنصر إرهابي يرتكب جريمة كبرى!!

البحث في سجلات المتعاطفين يعني بالضرورة توسعا هائلا في دائرة الاشتباه الأمني، بدرجة قد تصل إلى شرائح واسعة من المسلمين في الدول الغربية مع استبعاد فئات قليلة تمتلك سجلات أمنية معروفة للسلطات، فضلًا عن أن الأمر لا يقتصر على المتعاطفين ولا يقف عندهم، فهناك أيضًا ما يشبه التحالف بين تنظيمات الإرهاب وعصابات الإجرام التقليدية والمجرمين التقليديين، حيث تم استخدام عناصر إجرامية معروفة في ارتكاب جرائم إرهابية أو تسهيلها، وهذا أيضًا أمر مستحدث على صعيد تطور الجريمة الإرهابية.

مع التطور الأمني، يحدث تطور مواز في "تكتيكات" الجرائم الإرهابية، فهناك نوع من السباق الزمني والمعلوماتي والذهني بين الجانبين، فأحيانًا تتفوق السلطات الأمنية عبر عمليات استباقية لاكتشاف الجريمة، وأحيانًا أخرى تستطيع تنظيمات الإرهاب الإفلات من عيون الرقابة والملاحقة وارتكاب جرائمها.

ورغم تفوق النجاحات الأمنية إحصائيا وكميًا، فإن حدوث اختراق للرقابة الأمنية ولو لمرة واحدة كفيل بتحقيق أهداف تنظيمات الإرهاب، التي تمر بمرحلة حصار خانقة، ويكفي أن تنظيم "داعش" يعاني تجفيف مصادر التمويل والتجنيد بشكل غير مسبوق، وبالتالي فهو يسعى إلى مجرد إثبات الوجود وتأكيد مقدرته على تنفيذ عمليات ولو صغيرة، لإثبات الوجود واستمرار الدعم من جانب مناصريه، لاسيما أن التنظيم يضّخم أي عمليات من خلال الدعاية المتطورة التي ينفذها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية التابعة له.

ما يهم المجتمعات والدول الآن، وما يجب أن يحظى باهتمام الباحثين والخبراء والمتخصصين، يتمثل في دراسة ما يمكن تسميته علميًا "طور التحول" أو الفترة الزمنية التي يمر بها العنصر المتطرف كي ينتقل إلى مرحلة الإرهابي الفعلي، وينتقل من مربع التشدد أو التعاطف إلى مربع "الإرهابي المحتمل" ثم إلى "الإرهابي الفعلي"، وبين المرحلتين الأخيرتين قد يكون الفارق الزمني ضئيلًا جدا بحيث يغيب خلال ذلك عن عيون الرقابة الأمنية.

الإشكالية أن العمل الأمني في مرحلة الاكتشاف الاستباقي محاط بعوائق وعقبات كثيرة، لاسيما فيما يتعلق بمجال الحريات وحقوق الإنسان، كما أن هناك صعوبة في الحصول على معلومات دقيقة خلال تلك المرحلة، لأنها غالبًا ما تكون أسيرة داخل عقل أصحابها، ولا تخرج بالضرورة إلى العلن سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو خلال الأحاديث والدردشات العابرة مع الأفراد الآخرين في المجتمع.

تفكيك "شفرة" أو "لغز" تحول إنسان "مسالم"، وفقًا للشواهد الظاهرة للعيان، إلى إرهابي، مسألة في غاية الصعوبة، وأسبابها المجتمعية والفكرية معروفة، وسبق لي ولغيري من الباحثين مناقشتها في مقالات وأوراق عمل ودراسات كثيرة، ولكن الجزئية الأهم الآن تتمثل في كيفية بلورة ما يعرف بآلية إنذار مبكر لاكتشاف العنصر الإرهابي المحتمل؟

هناك عقبات ليست هينة في هذا المجال، منها أن الأمر يتعلق أحيانًا بالنوايا، فالذئاب المنفردة تنتقل من طور الإحساس بكراهية المجتمع أو التعاطف مع الفكر المتطرف، إلى طور ارتكاب جريمة إرهابية ربما في ساعات أو أيام قلائل، ولا تستغرق وقتًا طويلًا لبلوغ مرحلة التنفيذ، لاسيما في ظل وجود تعليمات وتوجيهات ودروس حية عبر الإنترنت عن كيفية ارتكاب جريمة إرهابية بأدوات بسيطة، أو ربما بوسائل انتقال تقليدية مثل الشاحنات والسيارات وغير ذلك، وفي في مجملها أدوات متاحة للغالبية، أو حتى يمكن تأجيرها مثل السيارات!!

الأمر هنا قد لا تكون الأولوية فيه للعمل الأمني، بل لجهود التوعية وتجفيف منابع التطرف والإرهاب، فإدانة الإرهاب من جانب المؤسسات الدينية المعتبرة والموثوقة والتفرقة بينه وبين الدين الإسلامي بشكل واضح وصريح وقاطع من دون وجود أي مساحات التباس أو سوء فهم، مسألة ضرورية جدًا، لا يضاهيها في الأهمية سوى إعلان صريح وواضح بأن هذه التنظيمات لا علاقة لها بالدين الإسلامي، وتوضيح صحيح الدين وموقفه حيال جرائمها وأفكارها.

استباق الذئاب المنفردة واللحاق بأفكارها، مهمة غاية في الإلحاح والأهمية والخطورة، ولكن كيف يتم ذلك؟ سؤال صعب والنقاش وطرح البدائل والحلول فيه مسألة بسيطة، ولكن الأصعب تنفيذ هذه المهمة، لاسيما في ظل الواقع المجتمعي المعقد في كثير من دول العالم، بحيث يبقى السؤال مطروحًا للنقاش: "كيف يمكن وقف موجة "الذئاب المنفردة"؟