لا أدرى ماهي علاقة الدين الإسلامي بالصراع السياسي البحت الذي تخوضه تركيا مع بعض الدول الأوروبية، فجميعنا يدرك أن الأزمة الحاصلة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحديداً وكل من ألمانيا وهولندا وربما إلى دول أوروبية أخرى لا علاقة لها بالإسلام، الذي وجدناه يسحب إلى ساحة الصراع في هذه المعركة الكلامية، ويقاد إليها من دون مبررات مقنعة!!

الأزمة ناجمة عن رفض بعض الدول الأوروبية تنظيم تجمعات جماهيرية للجاليات التركية المقيمة فيها من أجل الدعاية للتصويت لمصلحة التعديلات الدستورية في تركيا، وتطور الأمر إلى حد منع طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو من الهبوط في هولندا، وإيقاف وزيرة الأسرة فاطمة قايا وإرغامها على العودة إلى  الحدود، وهذه مسألة انتخابية/ سياسية صرفة لا ناقة للإسلام فيها ولا جمل، ولكن الرئيس أرودغان بشعبويته الطاغية لم يفوت الفرصة، وسعى إلى توسيع نطاق الأزمة وجر آخرين إليها، عبر ربطها مباشرة بما يعتبره عداء أوروبي للإسلام.

ولكي نكون منصفين وموضوعيين، علينا أن نفكر في الأمر بعقولنا قبل آذاننا، التي نتركها لكل من يعبئها بمعسول الكلام، وعلينا أن نتبادل الكراسي والأماكن ونتساءل: هل يمكن أن تسمح تركيا للسياسي اليميني الهولندي المتطرف خيرت فيلدز زعيم حزب الحرية الهولندي بتنظيم تجمع انتخابي أسطنبول أو أنقرة أو غيرها من المدن التركية للترويج لبرنامجه الانتخابي بغض النظر عن عدد أفراد الجاليات الهولندية في تركيا، أو إن كانت هناك جالية هولندية معتبرة تقيم في تركيا أم لا، فنحن نناقش المبدأ وليس الواقع.

الجواب بالتأكيد لن تسمح تركيا له أو لغيره بتنظيم تجمع انتخابي، لأسباب كثيرة، بينما ترفض أوروباً لأسباب تتعلق بالظروف والهواجس الأمنية التي تجتاح العالم أجمع من أي تجمعات حاشدة، خشية استغلالها من قبل الإرهابيين، ولها الحق في الرفض حتى لو كانت الأسباب غير حقيقية، فهذه أمور سيادة يجب أن نتفق على كونها متروكة للدول تقدرها بقدرها وفقاً للقانون والأعراف الدولية.

هذه نقطة، والثانية أن الصراع بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي له خلفيات وجذور تاريخية، قد يكون الدين لاعب مؤثر فيها، ولكن ليس من بوابة كراهية الدين الإسلامي أم لا، ولكن لأن أوربا تعتبر الاتحاد الخاص بها "نادياً مسيحياً"، وهذه وجهة نظر بعض دولها المؤثرة في هذا التكتل، ومن الصعب عليها تقبل فكرة انضمام دولة إسلامية قوية مثل تركيا إلى الاتحاد، والأتراك يعرفون ذلك جيداً، ولكنهم راهنوا على الضغط الأمريكية في فترات سابقة، كما راهنوا على دور تركيا  الاستراتيجي المؤثر كحائط صد أطلسي شرقي ضد أي تهديد روسي محتمل لأوروبا.

موقف تركيا مسألة تخصها، أما أن يخرج ما يعرف بـ"الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"الذي يرأسه د. يوسف القرضاوي ليدين ما وصفه بالممارسات الهولندية ضد تركيا، ويدعو العالم الإسلامي للتضامن تركيا فهذه مسألة غريبة بالفعل، لأن الاتحاد مارس لعبة خلط الأوراق في هذا الموضوع، فربط موقف هولندا بظاهرة الإسلاموفوبيا، وهي ظاهرة موجودة بالفعل، ولكن ليست لها علاقة واضحة ولا مقنعة بالأزمة مع تركيا!!

الثابت في الأمر أن هناك أزمة صامتة بين تيار من الساسة في الغرب والعالم الإسلامي، ولكن من الخطأ تعميم هذا الاستنتاج أو القول بأن الغرب كله يعادي الإسلام والمسلمين، فهذا أمر غير دقيق، بل ومشبوه أيضاً لأن من يقول به يتبنى نفس فكر دعاة الصدام بين الأديان وناشري الكراهية والصراعات الدينية في العالم، سواء كانوا في الغرب أو لدينا في تنظيمات الإرهاب، التي لا تكف عن التحريض ونشر الكراهية ضد الغرب!!

تحدث اتحاد القرضاوي في بيان تضامن مع تركيا أصدره بهذه الشأن عن السلم العالمي، وحذر من الصدام والاحتقان بين الشعوب، والكل يدرك أن الشعوب الإسلامية لا تعرف عن الأزمة الحاصلة الشيء الكثير وهذا ليس جهلاً، ولكن لأنها أزمة سياسية ثنائية لا علاقة لها بهذه الشعوب، ومن ثم فالحديث عن السلم العالمي وانتقاء مصطلحات ومفاهيم كبيرة هو دس للسم في العسل وتضخيم للأمور بهدف تحقيق هدف أيديولوجي، والايحاء بأن تركيا الأردوغانية هي زعيمة العالم الإسلامي، وهذا أمر غير صحيح بالمرة، فعلمانية تركيا واضحة وكاشفة، والرئيس أردوغان ليس سلطاناً جديد رغم محاولاته الحثيثة للايحاء بذلك والتجارة به.

صراع الرئيس أردوغان مع أوروبا سينتهي كما انتهت أزمتها مع روسيا، وحسابات المصالح الاستراتيجية لكل دولة واضحة ولا علاقة لها بالاعتبارات والبعد الديني في المسألة، والقرضاوي ورفاقه يعرفون هذا، ولكنهم ينصاعون لأهداف أردوغان ويوظفون ما بأيديهم من أدوات الدعاية الدينية لمصلحته!!

ويمضي بيان اتحاد القرضاوي ليفتي في السياسة ويشير إلى ما وصفه بـ "حق الساسة الأتراك باللقاء بالجاليات التركية المقيمة في البلاد المختلفة، وتداول الرأي معها حول القضايا الوطنية"ولا أدرى من منح الساسة الأتراك او غيرهم حق تنظيم لقاء حشود من جنسياتهم في بلد آخر!! والأغرب مما سبق أن البيان تحدث عن "أن النظام الذي يدعو إليه أردوغان هو النظام الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية، التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم (1) في السلطة".

من قال لهؤلاء أن تركيا يحكمها "أمير المؤمنين"وأتحدى شخصياً أن يقول الرئيس أردوغان عن نفسه ذلك، فهو من لا يمل عن تأكيد علمانية بلاده، بل ويدعو الآخرين للاحتذاء بها، فكيف يكون القرضاوي ملكياً أكثر من الملك ذاته؟!

ابتعد البيان تماماً عن الفقه والدين، وغلبت عليه لغة السياسة، فتحول إلى فاصل من مسرحية كوميدية ربما لا تجد من يقبل ببطولتها لرداء النص وضعف الإخراج!! وشخصياً، لم استغرب بيان اتحاد القرضاوي، لسبب بسيط أنها ليست المرة الأولى التي يحاول الزج بنفسه في موضوع سياسي بحت، فقد سبق للاتحاد نفسه أن اعتبر محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا "حرام شرعاً"، حيث قال الأمين العام للاتحاد علي محي الدين القرة داغي، في بيان باسم هذا الاتحاد الورقي، إنه قد "تابع العلماء مع شرفاء العالم الحر ما يجري في تركيا لتنفيذ مؤامرة عليها وعلى الأمة الإسلامية لكن الله سلم ورد المجرمين بغيظهم لم ينالوا خيراً"، فهو يمارس الفتوى وفق رغبته ومصالحه، ويحولها إلى بضاعة تعرض في "سوق"لمن يدفع مقابلاً أكثر!!

بغض النظر عن عبثية بيان اتحاد القرضاوي، فإن الخطير في الأمر أن الرئيس أردوغان قد مارس أبشع درجات خلط الأوراق حين ربط بين الموقف من بلاده، وبين حكم محكمة أوروبية بشأن الحجاب، واعتبر أن هناك "حملة صليبية"جديدة ضد الإسلام، ما يؤكد أنه يستخدم الدين بقوة وعن عمد في صراعه مع أوروبا، وهذه لعبة محفوفة بخطر داهم، وليست أقل خطراً مما تفعله "داعش"و "القاعدة"في الوقيعة بين الإسلام والغرب، فاحذروا أيها العقلاء.

 

sada