على خلفية تنامي الإرهاب والتشدد والتطرف، تتنامى أيضاً النعرات العنصرية والدينية، التي تجتاح الكثير من دول الغرب في الوقت الراهن، وتتعالى أصوات اليمين المتطرف للمطالبة بطرد المسلمين تارة، وحظر دخولهم إلى هذه الدول تارة أخرى، ومنع ممارسة العبادات وحظر بناء المساجد تارة ثالثة، وفي ذلك كله يواجه الإسلام والمسلمين في هذه الدول امتحاناً صعباً.

هل يمكن معالجة اليمين المتطرف من خلال مخاطبة الذات والاكتفاء بترديد العبارة القائلة بأن الإسلام برئ من الإرهاب، والدعوة إلى الفصل بين ديننا الإسلامي السمح من ناحية، وتنظيمات الإرهاب من ناحية ثانية؟

بطبيعة الحال، هذه الدعوات لا تكفي ليس فقط لأنها لا تصل إلى المستهدفين بها في الغرب، وإن وصلت فهي لا تمتلك قوة الاقناع اللازمة لدفعهم لإعادة التفكير في مواقفهم، ناهيك عن التخلي عنها!

هنا تلمع فكرة الحوار مع الآخر وتبرز، باعتبارها الأداة المثلى لبناء الجسور والبحث عن المشتركات وتواصل الثقافات والحضارات لا انقطاعها وصراعها وصدامها الذي يمكن أن يهلك الجميع.

على هذه الخلفية استبشرت خيراً بالاجتماع الذي عقد مؤخراً في مقر الأزهر الشريف بالقاهرة للجنة المشتركة للحوار مع المجلس البابوي للحوار بين الأديان في الفاتيكان، وهو الاجتماع الأول بعد انقطاع منذ عام 2010.

الاجتماع تناول دور مؤسستي الأزهر والفاتيكان في مجابهة ظاهرة التعصب والتطرف والعنف باسم الدين، في استئناف ضروري لحوار منقطع منذ نحو سبع سنوات.

وأهمية هذا الاجتماع تكمن في أنه لم يكن عادياً بل ضم شخصيات رفيعة المستوى، حيث حضره كل من وكيل الأزهر الشريف ورئيس المجلس البابوي للحوار في الفاتيكان، وشخصيات مرموقة أخرى من الجانبين.

ولا شك أن الأزهر الشريف بما يمتلك من موروث تاريخي عميق في الوسطية والاعتدال والفكر الديني، قادر على إدارة هذا الحوار النوعي، فالصراع الديني يعيد البشرية إلى حقبة العصر الوسطى والحقبة الظلامية التي يفترض أن العالم قد تجاوزها بقرون، وربما تزداد حيوية دور الأزهر في الوقت الراهن في ظل وجود قامة مستنيرة مثل الدكتور أحمد الطيب على رأس هذا الصرح الديني العظيم، بما يمتلك من ثقافة موسوعية وأفق مستنير ورؤية حضارية واعية لدور الأديان وارتباطها بالتطور الحضاري والعمراني للبشرية.

إن مكافحة الإرهاب تقتضي العمل على مسارات متعددة، منها فتح قنوات الحوار مع الآخر، الذي يجب إقناعه بضرورة التفرقة بين الإسلام كدين له تعاليم سمحاء، وبين ثلة من الإرهابيين، الذين يرفعون رايات هذا الدين العظيم ويرتكبون جرائم يندي لها جبين الإنسانية، وهذه التفرقة باتت في غاية الضرورة في ظل ما نراه من انتشار للعداء للإسلام في دول عدة، وهو عداء يتخذ كل يوم مظهراً جديداً ويكتسب مزيداً من الانتشار بفعل قوة دفع لها حسابات سياسية ومصالحية وغير ذلك. ولو أن الموجة المعادية للإسلام حالياً تركت على حالها فسيكون الثمن غالياً للعالم أجمع، لان تكلفة هذا العداء باهظة سواء بالنسبة لشعوب الدول الغربية التي تتنامى فيها هذه الموجة العنصرية، التي تقوض أسس التعايش بين مكونات الشعوب، أو لأن تزايد هذه الموجة يقدم خدمات مجانية لتنظيمات الإرهاب، التي توظف ذلك كله في تسويق أفكارها ودعايتها البغيضة.

من هنا فإن المسؤولية كبيرة على عاتق مؤسسات دينية كبيرة مثل الأزهر والفاتيكان في هذه المرحلة التاريخية من أجل الخوض في هذا الحقل الملغوم ونزع فتيل التوترات والتصدي للأفكار المعادية للأديان جميعها، وتكريس التعايش وقبول الآخر ونبذ العنف والتطرف سواء من جانب تنظيمات الإرهاب أو من جانب الجماعات والتيارات المعادية للإسلام والمسلمين لدى الغرب.

لا شك أن نشر الاعتدال والتعايش والوسطية مسألة تستحق جهود كبيرة ومتواصلة، ولكن الأمر يستحق لأنه يوفر المنعة والحصانة للمجتمعات في مواجهة تيارات التطرف والتشدد والعنف.