وسط كم كبير من الحصار الفكري للإسلام والمسلمين في كثير من الدول الغربية، ووسط تنامي نعرات اليمين المتطرف ضد المسلمين في دول أوروبية عدة، كان لافتًا أن تتحدث المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بقدر عال من الموضوعية والتقدير عن الإسلام والمسلمين.



فذكرت في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي عقد مؤخرًا وحضره الكثير من المسؤولين الأمنيين والعسكريين من ارجاء العالم كافة، إن الإسلام يتم تفسيره بصورة خاطئة، وانه لا يعد مصدرًا للإرهاب كما يشاع، وهذا دفاع غربي يستحق التقدير والاحترام وسط موجة هجوم ضارية يتعرض لها الدين الإسلامي.

المستشارة الألمانية معروفة بمواقفها الهادئة والمعتدلة تجاه العلاقة مع الدين الإسلامي، وسبق لها أن اتخذت موقفًا تاريخيًا حيال استقبال اللاجئين السوريين، وتعرضت بسببه إلى انتقادات داخلية شرسة، ولكنها لا تزال عند موقفها الذي يلقى قبول وتقدير أوساط ألمانية عديدة، بل يبدو أنها في هذا الموقف تؤدي دورًا تخاذل الكثير من المسلمين عن تأديته ترددًا أو حذرًا أو جراء حسابات واعتبارات معقدة!

موقف المستشارة الألمانية لا يخص الدين الإسلامي وحده، فهي لها مواقف موضوعية تجاه اليهود وغيرهم، وسبق أن وعدت بحماية اليهود والمسلمين الذين يعيشون في ألمانيا من التعصب، وقالت إن "حياة اليهود جزء منا" بعد أن كانت قد صرحت قبلها بأن "الإسلام جزء من ألمانيا". وقالت ميركل في كلمة لها أمام البرلمان "نحن في ألمانيا لن ندع أيا كان يفرق بيننا.. سنلاحق بتصميم الأعمال المعادية للسامية بكل وسائل دولة القانون.. والأمر نفسه ينطبق على الاعتداءات على المساجد، وأكدت أن لجميع المسيحيين واليهود والمسلمين مكانا في ألمانيا.

لفت انتباهي في تصريحات المستشارة ميركل المتكررة حول الإسلام أنها تطالب المسلمين دائما بتأكيد عدم صلتهم بـ "الإرهاب" الذي يرتكب باسم الإسلام، وقالت إن على علماء الإسلام توضيح الصورة الحقيقية له والتشديد على الفصل بين الإسلام و"الإرهاب". وهذا الكلام ذكرته ميركل مجددًا في مؤتمر ميونيخ، حيث طالبت رجال الدين المسلمين، بما وصفته برسم حدود واضحة بين الإسلام المسالم، والإرهاب، الذي "يُمارس باسم الإسلام".

ورغم أنها دعوة قديمة جديدة فإنها لا تلقى آذانًا صاغية في عالمنا العربي والإسلامي، ولا أدرى السر وراء ذلك، بل يبدو أننا فقدنا حتى الحماس للدفاع عن الدين الإسلامي، ولم نعد نحرك ساكنًا إزاء أي فعل إرهابي جديد سوى النبذ والشجب والاستنكار.

طيلة سنوات سابقة، حشدت الأقلام وملئت الأوراق وألقيت الخطب والمحاضرات وعقدت الندوات والمؤتمرات حول آليات مكافحة الظاهرة الإرهابية فكريًا وثقافيًا ودينيًا، وصدرت عشرات التوصيات والنتائج عن تلك الجهود، ولكن لم تر النور منها توصية واحدة.

فكرة وضع الحدود بين الدين الإسلامي والإرهاب ليست صعبة ولا تحتاج إلى ميزانيات ولا إلى مؤتمرات وندوات، بل جهد فقهي رشيد من علماء الدين الإسلامي لوضع النقاط على الحروف في ممارسات الإرهاب ونشر الذعر والعنف وسفك الدماء وانتهاك الحرمات باسم الإسلام ورفع رايات "الجهاد" والصاق تلك الجرائم بهذا الدين العظيم.

لا يكفي أن نخرج إلى العالم بعد كل جريمة إرهابية لننفي الصلة بين الإسلام وهؤلاء المجرمين، وأن نؤكد ونشدد على انتفاء أي صلة للإسلام بهذه الجريمة، فالآخر يريد حدود ومعايير واضحة ودقيقة تفصل بين رؤية ومنظور الدين الإسلامي للجهاد على سبيل المثال وما تقوم به تنظيمات الإرهاب.

البعض يقول أن هذه المسألة محفوفة بالأخطار والحساسيات، ويذهب آخرون إلى القول بأنها قد تستوجب إصدار إحكام فقهية ربما ترى المؤسسات الدينية الإسلامية المعنية أن الوقت ليس مناسبًا لها، أو أن إصدارها يتطلب توافر شروط ومتطلبات معينة يصعب توافرها في الظروف الراهنة، ولكن البيئة الدولية التي تكاد تحاصر المسلمين في المرحلة الراهنة ربما لا توفر رفاه التعامل بهذه الطريقة "اللطيفة" والمترددة مع الأمور، بل تقتضي الموائمة بين حسابات الربح والخسارة في الحالتين، وإدراك خطر المماطلة والتسويف في الفصل بين الإسلام والإرهاب ووضع حدود فارقة بينهما.

أدرك أن النقاش في المنطقة التي اتحدث فيها محفوف بالألغام من نواح عدة، ولكن ما يدفعني إلى ذلك أن المستشارة الألمانية هي من تقف في منتدى عالمي تدافع فيه عن الإسلام بكل ما يعنيه ذلك من التباسات وتكلفة سياسية جراء الأجواء التي يمر بها العالم حاليًا، في حين يتمترس المسلمون وراء هواجس ومخاوف وحسابات ضيقة.

القول بأن الإسلام لا علاقة له بالإرهاب لم يعد له أثر مجد فعليًا في ظل الحملات الشرسة التي يتعرض لها هذا الدين، والامر يحتاج إلى وضع حدود فاصلة بالفعل بالأدلة والبراهين على ما يقال ويتكرر يوميًا في مناطق شتى من العالم الإسلامي على ألسنة الساسة وعلماء الدين الإسلامي، فلا يكفي أن نظل نكرر أن تنظيمات الإرهاب والاجرام لا تعبر عن الدين الإسلامي، في حين نفشل في إظهار الوجه الحقيقي للإسلام، ولا نقول للعالم ما هو هذا الوجه ومعالمه وكيف أن هذه التنظيمات تقع خارج حدوده الفقهية كما هي خارج حدوده التاريخية.

يجب أن نفكر قليلًا في جدوى الاستمرار في ترديد فكرة نفي العلاقة بين الإسلام والإرهاب من دون الانطلاق إلى ما هو أبعد من خلال رسم حدود هذه العلاقة، ولا يجب أن نغامر بالصمت حيال ممارسات هذه التنظيمات التي يمكن أن تزج بعالمنا الإسلامي في صراعات ثقافية وحضارية يمكن أن يخسر ملايين المسلمين بسببها الكثير.