مثلما كانت اعتداءات 11 سبتمبر 2001 تحولا فارقا في السياسة الخارجية الأمريكية، يبدو أن مذبحة شارلي ايبدو في السابع من يناير الجاري ستكون انعطافة نوعية في السياسة الخارجية الأوروبية أيضا. ما يعني أن هناك توابع سياسية واستراتيجية لهذه الجريمة، التي قد تسهم في إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأوروبية حيال قضايا عدة مثل الارهاب والهجرة والجاليات المسلمة وغير ذلك من أمور ستتكشف تدريجيا خلال الأشهر المقبلة.
ما حدث في فرنسا خلال الأسبوع الماضي ينطوي على رسائل ودروس عدة ينبغي استخلاصها ودراساتها جيدا ، أولها هو حالة السيولة التحليلية التي تحاول ملأ فراغات البث الهوائي في الفضائيات العربية والأجنبية على حد سواء، حيث امتلأت ساعات البث بتحليلات لا تسهم بأي قدر في بناء فهم حقيقي لما حدث بقدر ماتثير نوع من التشوش والبلبلة لدى الرأي العام في مختلف دول العالم.
هناك بعض المحللين يرون أن مذبحة شارلى ايبدو تعكس خطر العناصر الارهابية النائمة وهذا أمر غير دقيق في مجمله كون العناصر المنفذة كانت معروفة لأجهزة الأمن الفرنسية والأمريكية، وبالتالي فلا يمكن أن تنطبق عليها صفة العنصر الارهابي النائم، وهي صفة تنطبق على عناصر لم ترصد أمنيا وغير معروفة ولكنها جاهزة لتلقي الأوامر والتعليمات من قادة الميلشيات والتنظيمات الارهابية للتنفيذ في أي منطقة أو دولة من دول العالم.
المهم في هذا الاعتداء الاجرامي أنه يفرز بعض الدروس بالغة الأهمية وفي مقدمتها عودة تنظيم القاعدة إلى واجهة الأحداث بعد توقعات عديدة تشير إلى انتهاء التنظيم وتفككه نهائيا وعدم مقدرته على شن هجمات جديدة، حيث يؤكد هذا الاعتداء أن القاعدة لا تزال موجودة وتمارس نشاطها وتنتظر فرصة لتنفيذ عملياتها في أي من الدول والمناطق التي تستهدفها، كما تؤكد هذه الجريمة النكراء أن التركيز على التصدي لتنظيم داعش لا ينبغي أن يكون على حساب الانتباه إلى خطر التنظيمات الأخرى وفي مقدمتها القاعدة، الذي يمثل التنظيم الأم الأكثر توزعا من الناحية الجغرافية رغم سيطرة داعش على جزء كبير من اراضي كل من دولتي العراق وسوريا.
ثمة أمر آخر يتعلق بهذه الجريمة الارهابية التي وقعت في فرنسا ويتمثل في الخطر الذي نجم عن تفكك تنظيم القاعدة الارهابي وتحوله إلى جماعات ذات انتشار فسيفسائي يصعب محاصرته كليا، فعقب انفراط عقد التنظيم وصعوبة السيطرة عليه مركزيا من جانب قائده أيمن الظواهري، تضاعف خطر التنظيم ولم يتراجع على عكس مايشاع.
والأمر الأخير هنا يتمثل في أن هذا الاعتداء قد كشف محدودية التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات حول أنشطة الارهاب والارهابيين، فقد تناقلت تقارير معتبرة أن منفذي مذبحة شارلي ايبدو على قائمة الارهاب الامريكية فيما يبدو أن السلطات الفرنسية لم تكن تتعاطي معهما بالدرجة ذاتها من الاهتمام والتحقق، ما يعني أن هناك حاجة إلى تعزيز التعاون على هذا الصعيد ليس فقط بين الدول الغربية بل أيضا بين الدول العربية والاسلامية التي هي في حاجة ملحة إلى تضييق الخناق على أنشطة الارهابيين ورصد تحركاتهم وخططهم بشكل استباقي كي يسهل وضع الخطط اللازمة للتعامل مع مثل هذه الأخطار والتهديدات.