يشير تحليل سلوك القيادة القطرية خلال الأشهر الأخيرة إلى ارتباك وتخبط شديد في إدارة الأزمة التي تعانيها الدولة والشعب القطري؛ فبعد دخول الأزمة القطرية نفق النسيان عقب تجاهل الدول الكبرى دعوات قطر بشأن التدخل للضغط على الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب من أجل التنازل عن شروط تسوية الأزمة مع قطر، حاولت قطر افتعال العديد من الأزمات مع دولة الامارات تحديداً من أجل لفت الانتباه لأزمتها التي طواها النسيان ولم يعد هناك أثر لها سوى معاناة الشعب والاقتصاد القطري جراء استمرار الأزمة.

ويبدو أن "نظام الحمدين" قد تيقن من فشل خطط جذب الانتباه، فقد لجأ إلى حيلة جديدة تتمثل في محالة شق صفوف الدول الأربع من خلال إرسال "بالون اختبار" لجس نبض القيادة المصرية، من أجل معالجة الأزمة مع مصر فقط!

كانت مدينة "دافوس" السويسرية ومنتداها العالمي الشهير الذي عقد منذ أيام، مسرحاً لرسالة غير مباشرة بعث بها وزير الخارجية القطري إلى القاهرة، وفي أثناء حديثه، قال وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن الدوحة تأمل في تحسين العلاقات مع القاهرة، ناكراً الاتهامات الموجهة إلى قطر بزعزعة استقرار مصر. وقال آل ثاني أثناء جلسة "رؤية مشتركة للعالم العربي" في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا بحسب مانقلت التقارير الإعلامية: "نحن نأمل دائما في سد الفجوة بين قطر ومصر، ونعتقد أن الاختلافات التي لدينا معها ليست أساسية، نحن نهتم باستقرار مصر، وأولئك الذين يدعون أن قطر تحاول أن تلعب دورا مزعزعا للاستقرار في مصر، يوجهون اتهامات كاذبة". وأضاف: إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية عربية، فإن استقرار مصر مهم جدا للمنطقة. وإذا نظرنا إليه من منظور اقتصادي، فلدينا استثمارات قائمة في مصر، والحرص على أن تكون استثماراتنا في بيئة مناسبة هو من أولوياتنا. وليس هناك ما يدعو إلى أن تصبح قطر عاملا مزعزعا للاستقرار في مصر. وأكد أن "كل من يحاول البناء على هذه الاختلافات يحاول خلق نظرة معينة عن قطر.

أنهي الوزير القطري حديثه في هذا الموضوع قائلاً: "لم تكن هناك أي استجابة من الجانب المصري للجلوس وتقريب وجهات النظر"، أي أن الدوحة عرضت سواء عبر رسائل غير مباشرة أو وساطات غير معلنة الجلوس وتقريب وجهات النظر ولكنها لم تلق استجابة من الجانب المصري.

هذه السياسة تعكس استمراراً في الهروب والتملص من الاستحقاقات، والالتزامات التي تسببت فيها الأزمة مع قطر، وتصريحات الوزير القطري تستهدف في أحد جوانبها الغمز واللمز من قناة مصر لدى الدول الثلاثة الباقية، والايحاء لهذه الدول بأن هناك حديث جانبي من وراء الكواليس بين مصر وقطر، وأن القاهرة لم تستجب حتى الآن لعروض قطر للمصالحة، وهذه التصريحات تطلق بهدف اثارة الشكوك وإحداث الوقيعة، بغض النظر عن تأكيد الوزير القطري بأن مصر لم تستجب لعروض المصالحة!

يدرك الجميع أن مصر هي المتضرر الأكبر جراء سياسات قطر وتدخلاتها في دول المنطقة ورعايتها لتنظيم "الإخوان" الإرهابي، وتوفير منصات إعلامية له للتحريض ضد الدولة المصرية وجيشها، فضلاً عما توفره قطر من تمويل للعناصر والكوادر الإرهابية.

من سوء حظ الوزير القطري أن تصريحاته تزامنت مع اجتماع رباعي ضم وزراء خارجية الدول الأربع، أكدوا فيه تمسكهم بتنفيذ قطر للشروط التي وضعتها هذه الدول لتسوية الأزمة وطي صفحتها تماماً.

يقول الوزير القطري أن استقرار مصر مسألة مهمة بالنسبة لقطر (!) وهذا كلام لا يصدقه عاقل أو مراقب موضوعي يتابع سياسات قطر الإقليمية طيلة السنوات الماضية، بل إن العكس هو الصحيح تماماً، فقطر كانت ـ ولا تزال ـ داعم أساسي لمخطط بث الفتن والاضطرابات في مصر، ويكفي المحتوى الذي تبثه قناة "الجزيرة" عن مصر حتى الآن للبرهنة على ما تكنه القيادة القطرية وتتمناه لمصر وشعبها، ناهيك عن بقية الأبواق الإعلامية الناطقة بالحقد ضد مصر والممولة بأموال الشعب القطري المغلوب على أمره.

ربما يعتقد البعض أن تصريحات الوزير القطري لا تستهدف "مغازلة" القيادة المصرية، أو محاولة "ترطيب" الأجواء مع القاهرة، وأنه يخاطب الرأي العام العالمي محاولاً غسيل سمعة قطر وإرسال رسائل حسن نواياً تجاه الدول المقاطعة لقطر، ولكن هذا الأمر غير صحيح بدليل أن الوزير القطري يزعم أن الخلافات مع مصر "ليست أساسية"، وهذا أمر كاذب تماماً، فتاريخ العلاقات المصرية القطرية ملئ بالخلافات وهي خلافات أساسية، ويصعب القفز عليها، أو تجاهلها بل إن القفز على هذه الخلافات كان السبب الرئيسي في تفاقم وتضخمها وتمادي قطر في سياسات التدخل في الشأن المصري!!

 لن تنطلي هذه الألاعيب عن الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب، ولن يدخل الشك بين قادة يدركون حساسية اللحظة التاريخية الراهنة وما تنطوي عليه ألاعيب قطر من خطر داهم على أمن واستقرار الشعوب العربية جميعها.