لست أشك فى أن قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشان الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قد أنتج وضعاً استراتيجياً غير مسبوق فى ملف الصراع الفلسطينى ـ الإسرائيلى، لاسيما أنه يتعلق بالقدس بكل رصيدها الدينى والروحى العميق لدى ملايين المسلمين.

ولكن لأننى اعتدت التفكير بشكل إيجابى والبحث عن منح وسط المحن والسعى لإيجاد بريق ضوء، ولو ضئيل، فى نهاية أى نفق أزمات، فإننى أرى أن هذا القرار لا يخلو من معطيات يجب علينا، كعرب ومسلمين، التركيز عليها بدقة خلال المرحلة المقبلة، أولها أن القرار أعاد وهج وبريق القضية الفلسطينية وطرحها بقوة مجدداً على اجندة الاهتمامات الدولية بعد أن تراجعت وانحسرت عنها الأضواء لأسباب واعتبارات معروفة للجميع، وهذا بحد ذاته يمثل فرصة ثمينة لو تم استغلالها بشكل مدروس ووفق إطار عمل دبلوماسى جماعى لاستقطاب موقف دولى جاد وفاعل للبحث عن تسوية تفاوضية عادلة لهذه القضية، التى تمثل أحد مفاتيح الاستقرار فى الشرق الأوسط.

والمعطى الثانى أن القرار قد وحد العالم تقريباً فى اصطفاف بالغ الأهمية وراء حل الدولتين، وهى الصيغة التى كانت شبه ميتة تقريبا من الناحية الواقعية، بل تحدث البعض عن أن الأحداث قد تجاوزتها، فهناك الآن عواصم كبرى مهمة تتحدث عن ضرورة الدفع باتجاه حل تفاوضى جاد، وهذا التعاطف الدولى غير المسبوق مع القدس والفلسطينيين يجب استغلالها جيدا وعدم الوقوع فى فخ الفوضى والحروب الكلامية والمزايدات بما يهدر هذه الفرصة السانحة لتحقيق معادل موضوعى دولى لانحياز إدارة ترامب بهذا الشكل السافر مع إسرائيل.

المعطى الثالث أن حسابات التكلفة السياسية لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قد جاءت مناسبة فى ضوء مصالح هذه الإدارة، ولكن على العرب والمسلمين أيضاً بناء حسابات تكلفة مقابلة لذلك، بمعنى العمل على وضع الإدارة الأمريكية أمام مسؤولياتها الدولية والانتباه إلى ما هو قادم فى ظل التسريبات الإعلامية التى تتحدث عن تسوية محتملة للصراع الفلسطينى ـ الإسرائيلى، ففى ظل هذا الوضع يصبح الحديث عن صيغة عادلة للسلام أمر مستبعد ما يعنى الإبقاء على مصدر من مصادر تفريخ الإرهاب والتطرف فى منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر يجب بناء رأى عام دولى للضغط على إدارة ترامب بشأنه.

إحدى مزايا إدارة ترامب، برأيى، أنها تتعاطى السياسة من الباب الرئيسى ولا تحاول الالتفاف أو المناورة على قراراتها وسياساتها، وبالتالى على الدول العربية والإسلامية إعداد البدائل والخيارات اللازمة للتعامل مع أزماتها، فالعلاقات الدولية قائمة على المصالح الاستراتيجية لكل طرف وليس من المنطقى أن ينتظر طرف أن يخسر الطرف الآخر مصالحه من أجل إرضائه أو تحقيق أحلامه ! فالمسألة قائمة على توظيف كل طرف ما يمتلك من أوراق ضغط ويجيد التحرك بوعى ودقة فى مربع المناورات، ويدرك متى يتحرك ومتى يتقدم ومتى يتأخر ومتى يتشدد ومتى يبدى مرونة تفاوضية.

الجانب الفلسطينى، على سبيل المثال، غارق فى صراعاته الداخلية وأهدر سنوات طويلة فى هذه الصراعات والانتقال بين التحالفات من دون اهتمام حقيقى بالقضية ذاتها، ومن دون مراعاة للمتغيرات الإقليمية وما طرأ على الدول العربية المؤثرة من ظروف ضاغطة أبعدت البعض وأفقدت البعض الآخر كثير من قدرته على الضغط والتأثير والمناورة السياسية.

لست من هواة البكاء على اللبن المسكوب، ولكنها مجرد نقاط عابرة للتذكير كى يكف الجميع عن المزايدة والدجل الإعلامى، والتعامل مع الموقف والظروف بما تستحق من اهتمام وجدية.

ربما ينطوى القرار على فرصة كامنة تتمثل فى وضع الجميع امام مسؤولياتهم التاريخية والسياسية، فالقرار الأمريكي، رغم تأثيره الهائل المكتسب من مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة مهيمنة على النظام العالمي، فإنه ليس نهاية العالم، ولا يمنح وضعية قانونية دولية للقدس كعاصمة لإسرائيل، فهو قرار أحادى بالأخير ويجب العمل بسرعة وجدية على عدم التحاق دول أخرى مهمة بالمسار الأمريكى والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لأن نجاح إسرائيل فى استقطاب دول أخرى مؤثرة هو الذى يحصن القرار الأمريكى ويضفى عليه شرعية الأمر الواقع وليس الشرعية القانونية.

من الناحية الواقعية، من الصعب توقع تراجع ترامب عن قراره، ولكن هذا لا يعنى التسليم بالأمر الواقع، بل يجب العمل بسرعة على بلورة استراتيجية متكاملة للتعامل مع هذا الوضع كى لا يدشن القرار مرحلة جديدة من التطرف والإرهاب فى المنطقة، وإذا كانت الإدارة الأمريكية لا تدرك طبيعة العلاقة بين قرارها بشأن القدس والإرهاب، فإن الدول العربية هى من يدفع بالنهاية الجزء الأكبر من فواتير الإرهاب وجرائمه، وعليها أن تعمل على تفكيك آثار هذه القرار، من خلال الإسراع فى جهود التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، لأن الصمت والرهان على عامل الوقت يعنى قبلة الحياة وهدية مجانية لتنظيمات الإرهاب التى تكاد تلفظ أنفاسها فى دول ومناطق عدة من عالمنا العربى والإسلامى