ثلاثة أشهر مرت على الأزمة القطرية، ولا تزال تفاعلاتها مستمرة، وآفاق الحل غير واضحة، رغم تعدد الجهود المبذولة للوصول إلى حل يرضى جميع الأطراف، فالدوحة تصر على المضى قدمًا فى تحدى الدول الأربع، ولم يعد هناك أمل إلى فى انتفاضة الشعب القطرى ضد قيادته التى سلبته حريته وجعلته خاضعًا لإيران وتركيا.



ومع استمرار تعنت الدوحة فى الاستجابة لمطالب الدول المقاطعة، تكثر التساؤلات حول المسارات القادمة لهذه الأزمة وتداعياتها على ملفات المنطقة الساخنة بأكملها، وعلى مستقبل الدوحة نفسها، لا سيما بعد أن خلعت عباءة العروبة وارتمت فى أحضان مَن يتربص بالمنطقة العربية ككل.

حاورت «الدستور» الباحث الإماراتى والكاتب والخبير الاستراتيجى، الدكتور سالم الكتبى، ليقودنا إلى استشراف ما قد يحدث إذا طالت هذه الأزمة، خاصة على ملفات الأمن القومى الخليجى والعربى. 


■ بداية.. هل تعتقد أن الحل العسكرى للأزمة القطرية بات قريبًا؟

- لا، هذا الخيار مستبعد تمامًا فى جميع الأحوال بغض النظر عن المدى الزمنى للأزمة، وهذا هو الموقف الرسمى للدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، فهى لا ترغب فى الانجرار إلى مؤامرات قطر ومكائدها، ورهانها المؤكد على لعب دور «الضحية» وفكرة «المظلومية»، كما يرسمها ويخطط لها قادة التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. 

وأعتقد أن الأزمة ستزداد تعقيدًا فى حال واصلت القيادة القطرية استفزاز الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، كما فعلت حينما دعت إلى تدويل الحج، وتبنت المزاعم الإيرانية الخاصة بتسييس الحج ورددتها، وحاولت الادعاء فى محافل دولية بأن المملكة العربية السعودية الشقيقة توظف شعائر الحج من أجل تحقيق مصالح سياسية.

■ لكن الوقت فى مصلحة قطر.. فهى حتى الآن لم تتأثر بالقطيعة.. أليس كذلك؟


- بشكل عام، أعتقد أن التصعيد بأى شكل سياسى أو عسكرى، ليس فى مصلحة قطر، التى أثق تمامًا أن الوقت ليس فى مصلحتها، وأن استمرار الأزمة لا يخدم مصالحها على المدى القصير، لا سيما أنها تستعد لاستضافة بطولة كأس العالم ٢٠٢٢، الذى يعد من بين أهم الملفات القطرية فى الوقت الراهن.

فى ضوء ما سبق، تبدو إطالة أمد الأزمة بمنزلة سيناريو رعب للقيادة القطرية، التى كانت تبحث عن انتصار سياسى سريع، ورفضت حتى الآن، الانصياع لصوت الحكمة والعقل.

■ كيف تتوقع أن تنتهى الأزمة.. وهل تحقق قطر انتصارًا ولو جزئيًا؟


- لا أستطيع رسم سيناريوهات دقيقية لنهاية الأزمة مع قطر، ولكنى أستطيع وضع محددات لهذه النهاية، لأن الأزمة ليست معقدة كما يتخيل البعض، بل هى بسيطة تمامًا، والإشكالية تكمن فى عدم توافر الإرادة السياسية لدى القيادة القطرية لمواجهة شعبها بالأخطاء التى ارتكبتها والتراجع عنها.

وأتوقع أن تنتهى الأزمة بانتهاء تمويل الإرهاب واستئصال جذور حاضنته القطرية، حيث تصر الدول الأربع تمامًا على موقفها، ويصعب تخيل انتصار الإرادة القطرية على إرادات دول أربع تمثل مركز ثقل لا يستهان به فى المنطقة العربية والخليجية، فنحن نتحدث عن السعودية ومصر، وكلتاهما مركز ثقل القرار العربى، بالإضافة إلى دولة الإمارات بما تمثله من مكانة دولية مرموقة وثقل مركزى إقليمى، وكذلك الحال بالنسبة إلى مملكة البحرين، التى يصعب تجاوزها ضمن حسابات الأمن الوطنى الخليجى.

■ وماذا عن مجلس التعاون الخليجى فى ظل تطورات الأزمة مع قطر؟


- المجلس مر بأزمات عدة سابقة، وخرج منها أقوى مما سبق. صحيح أن الأزمة الراهنة مع قطر غير مسبوقة فى تطوراتها وتفاعلاتها، ولا يمكن التهوين من تأثيراتها الرسمية والشعبية على العلاقات بين الدوحة ودول مجلس التعاون، لكننى على ثقة بأن سيناريو نهاية الأزمة هو الموجه الأساسى لدفة علاقات قطر المستقبلية ضمن منظومة مجلس التعاون.

■ هل يتأثر المجلس سلبًا بانسحاب قطر أو تجميد عضويتها؟


- دعونا لا نستبق الأحداث، والمأمول أن تغلب الحكمة على الشعب القطرى، وأن يدرك حجم الجرم الذى ارتكبته قيادته، وأن يتخذ من الإجراءات ما يتيح له تصحيح المسار واستعادة الدولة القطرية من خاطفيها، تلك العصابة المحيطة بقصر الحكم الأميرى، ووقتذاك سيكون مقعد قطر على حاله فى مجلس التعاون لدول الخليج العربى، علمًا بأن مستقبل المجلس كمنظمة وحدوية إقليمية ناجحة لا يرتبط بوجود قطر من عدمه.

صحيح أن المجلس سيتأثر فى حال إقدامها على الانسحاب أو تجميد العضوية، لكنه لن يموت بطبيعة الحال، فالاتحاد الأوروبى لم ينته بخروج بريطانيا.



■ هناك مَن يحاول اختصار الأزمة بين قطر ودول الخليج رغم أن مصر أكثر الدول الأربع التى تضررت فعليًا من سياسة قطر المتطرفة.. ما رأيك؟



- لا جدال فى أن الشقيقة مصر من أكثر الدول تضررًا من سياسات قطر سواء فى تمويل الإرهاب، أو بالتدخل فى شئونها الداخلية، وأعتقد أن هناك مَن يؤمن بأن الأزمة مع قطر هى «خليجية صرف»، لكن مصر طرف أصيل فى بلورة استراتيجية متكاملة للتعامل مع الوضع القطرى، والحد من خطر التوجهات القطرية على الأمن القومى العربى والخليجى.