بعيدًا عن السياسة والإعلام، والضجيج الذي تمارسه قطر على هذين الصعيدين، هناك جانب خفي لا يدركه الكثيرون، ويعكس غياب أي أفق استراتيجي عن القيادة القطرية.



المعروف أن الاقتصاد، هو كلمة السر في القرارات السياسية ورسم التوجهات الاستراتيجية في العالم كله، فكل سياسي يفترض أنه يبحث عما يحقق مصالح شعبه ويضمن رفاهيته بالدرجة الأولى، ولكن في قطر الأمور تمضي بشكل عشوائي، وحسابات الاقتصاد غائبة أو بالأصح مغيبة تمامًا في حسابات القصر الأميري، الذي يدير الأمور بعيدًا تمامًا عن مصالح الشعب القطري، بل لا ينظر إلى ما هو أبعد من أسوار القصر وساكنيه، وبالأخص الأمير ووالده!

اختزلت قطر في شخص الأمير، وغابت حسابات الاقتصاد والمصالح عن طاولة نقاش القيادة مع مضلليها، ولا نقول مستشاريها، فالمستشار ناصح أمين، وإن خرج عن هذا الدور فهو مضلل غير أمين!

أقول هذا الكلام لأن الاقتصاد القطري يتدهور بشكل واضح منذ بداية الأزمة مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، وآخر هذه المؤشرات ما صدر بالأمس القريب عن مؤسسة "ستاندرد اند بورز"، التي عدلت النظرة المستقبلية لاقتصاد قطر إلى "سلبية"، متوقعة أن تفضي المقاطعة التي تفرضها دول عربية ودول أخرى على قطر إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وعرقلة الأداء المالي. وعزت الوكالة النظرة المستقبلية السلبية إلى التداعيات المحتملة للمقاطعة على الاقتصاد والميزانية، لكنها أضافت أن التوقعات تشير إلى استمرار السلطات في محاولة إدارة آثار المقاطعة التي تهدد الاقتصاد القطري بمخاطر ستؤثر على التصنيف.

يدرك الخبراء الاقتصاديون أن المصارف القطرية تحاول جاهدة معالجة الآثار القاسية للأزمة على القطاع المالي القطري من خلال محاولة إصدار سندات للاقتراض من الخارج وبأسعار ستكون أعلى بسبب رفع درجة المخاطر بعد المقاطعة، فقد نزح نحو 7.5 مليار دولار من الودائع الأجنبية، و15 مليار دولار من الودائع والقروض المتبادلة بين البنوك، بحسب بيانات "المركزي القطري" نفسه!!. ويتوقع المحللون فقدان البنوك في الدوحة للمزيد من الودائع ما بين 3 و4 مليارات دولار في الأشهر القليلة القادمة، الأمر الذي دعا وكالة "فيتش" إلى التحذير من التأثيرات السلبية الكبيرة الناجمة عن سحوبات الودائع غير المحلية من المصارف القطرية.
الأمر لم يقتصر على ذلك، فقد خفضت وكالة "موديز" النظرة المستقبلية لـتسع مصارف قطرية كبيرة من "مستقر" إلى "سلبي"، وأبقت على النظرة المستقبلية السلبية لأحد المصارف، وقالت الوكالة إن "التصنيفات السلبية لهذه المصارف تستند إلى عوامل مثل ضعف البيئة التشغيلية المحلية، خاصة بالنسبة للتمويل المصرفي، وضعف قدرة الحكومة على دعم البنوك المحلية، ما أدى إلى خفض التصنيف الاقتصاد الكلي لقطر".

بالنسبة للساسة، لا يمكن تجاهل مثل هذه المؤشرات الاقتصادية السلبية، ولا يمكن كذلك الصمت عليها، فالأوضاع المالية للدول باتت مسألة حساسة للغاية، وتنبئ بمستقبل تتدهور فيه الأوضاع الاجتماعية والمعيشية لا الاقتصادية فقط!

قد يقول البعض أو يزعمون أن التصنيفات الائتمانية السيادية، التي تجريها الوكالات الدولية المتخصصة تتعلق بجدارة الدول للحصول على قروض دولية، وأن قطر ليست بحاجة ذلك، ولكن هذه الرؤية المبتورة تفتقر إلى البعد الاستراتيجي في هذه التقديرات، فالولايات المتحدة ذاتها، التي تمتلك ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تهتز لأي تقديرات سلبية لاقتصادها من جانب هذه المؤسسات، وكذلك الأمر بالنسبة لكل الاقتصادات الكبرى، فالمسألة لم تعد تتعلق بالقروض، التقليدية التي تحصل عليها الدول التي تعاني ظروف اقتصادية صعبة، بل لأن هذه التقديرات هي "بوصلة" حركة الرساميل ورؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، وهي المؤشر لكفاءة الإدارة المالية للاقتصادات، وبالتالي فهي مؤشرات كاشفة، تطمئن وتزعج القادة السياسيين والاقتصاديين في العالم على حد سواء عدا ما نراه من الدوحة من تجاهل تام لآثار هذه المؤشرات السلبية المتوالية.

المسألة أيضًا لها أبعاد اقتصادية أخرى، فالتقديرات السلبية للاقتصادات تجبر الدول على سداد عوائد وفوائد أعلى على إصداراتها السيادية من أذون خزانة أو سندات أو صكوك، كما يقلل جاذبية تلك الإصدارات في الأسواق العالمية، وهل هناك دولة لا علاقة لها بهذه الأمور في عالم معقد ومتشابك تنخرط فيه الاقتصادات في موجات العالم، التي تجعل حركة الاستثمارات ورؤوس الأمور في حالة حركة دائبة دخولًا وخروجًا من الدول.

هناك أيضًا تأثيرات لهذه التقديرات والتصنيفات الدولية على سعر العملات الوطنية، والبورصات، لاسيما في ظل تزايد فرص المنافسة الهائلة، وضعف جاذبية سوق المالي القطرية من الأساس بفعل ضغوط المقاطعة وتشوش الأفق المستقبلي بسبب عناد القيادة السياسية ومكابرتها!

تقارير المؤسسات المالية الدولية بحث الاقتصاد القطري وآفاقه المستقبلية تستحق القراءة بعناية إن كان هناك بقية عقل سياسي في الدوحة، فقد ذكر أحد التقرير أن الأزمة تزيد من صعوبة التنبؤ بالسياسات بالنسبة لقطر. وهذا الأمر بالنسبة لأي مخطط استراتيجي يعني كارثة تلوح في الأفق وتستوجب دق أجراس الخطر والتنبيه للقيادة، ولكن ما بالنا والمخطط ذاته هو المستفيد والمخطط لتخريب قطر وتدميرها! 

القلب يعتصر ألمًا لما يحدث للشعب القطري على يد قيادته، التي ترمي بالأشقاء القطريين إلى التهلكة لمجرد المضي في العناد وحماية زمرة من المتآمرين والإرهابيين، الذي تأويهم في فنادق الدوحة وتنفق ثروة الشعب القطري على بقيتهم في إسطنبول وأنقرة والعديد من المدن الأخرى في العالم!

ليت عقلاء قطر يدركون المصيبة ويتداركونها قبل أن يفوت الآوان، فخطة تدمير قطر التي ينفذها الأمير ووالده ومن بصحبتهم من المتطرفين والإرهابيين لن يتضرر منها سوى الشعب القطري، الذي يستحق المساندة والتوعية بما يدبر له في الخفاء!

 

sada