كلما قرأت تقريراً عن جهود الوساطة التي تبذل من اجل انهاء الأزمة بين قطر والدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، تطالعني عبارة تقليدية مفادها "من أجل التوصل إلى حلول وسط تنهي الأزمة"؛ حسناً فأنا أدرك أنه لا بديل عن التفاوض وإيجاد الحلول، وأن هذا هو جوهر العمل السياسي، وأن التفاوض بات علماً له نظرياته، باعتباره بات حتمية لا مناص عنها في الأزمات، مهما كانت مآلاتها ومساراتها.

 بشكل عام، غالبا ما تسيطر فكرة "الحلول الوسط"على أجواء الأزمات والحوارات الجماعية والثنائية ومتعددة الأطراف، ولكن يبقى "الشيطان"مختفياً في التفاصيل دائماً، فالوسط هو النقطة التي تقسم جزئين متساويين، فهي نقطة تقع في وسط خط مستقيم، أو النقطة متساوية البعد عن نقطتي نهاية الخط المستقيم، أي نقطة التكافؤ، ولكن هذا يبقي حصرياً على العلوم الرياضية، وتحتفظ السياسة لنفسها بسماتها وخصائها الفريدة.

ففي السياسة، الأمور تبقى مختلفة، ونقطة الوسط ليست دائما في المنتصف، فطرفي أو أطراف التفاوض لديهما معطيات وتفسيرات مختلفة للحل الوسط، ولنقطة المنتصف نفسها، وتبقى عملية الشد والجذب والقدرة على قراءة المشهد، والنتائج التي تسفر عنها جردة حساب الأرباح والخسائر الاستراتيجية لكل طرف، محددات رئيسية لبناء المواقف التفاوضية والتمسك بها والدفاع عنها أو إبداء مرونة نسبية أو حتى التخلي عن أجزاء منها.

في الأزمة القطرية مع الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب، يبدو البحث عن حلول وسط مسألة عسيرة أو صعبة للغاية، لأن الأمر لا يتعلق بنزاع أو خلاف مصالح حول قضية ما تخص الطرفين، بل بمسألة أو قضية مصيرية للدول الأربعة وللمنطقة والعالم أجمع، يقابلها عناد وتشبث بالمواقف المضرة المعاكسة تماماً وتصب في اتجاه مناقض لمواقف الدول الأربعة والمواقف الدولية ذات الصلة.

يجب الأخذ بالاعتبار أنني استبعد من النقاش هنا الوساطة الكويتية، التي تنطلق من مبادئ وأسس نابعة من خصوصية العلاقات الأخوية التي تجمع شعوب دول مجلس التعاون، وبالتالي فهي وساطة نابعة من حسابات ومعطيات ومنطلقات مغايرة لما أناقشه ومن ثم فلا أقصدها بهذا الطرح والنقاش.

تمويل الإرهاب هو الفيصل والمحور الذي تدور حوله بقية القضايا الخلافية في الأزمة بحسب اعتقادي، ولو طرحنا على مجموعة من خبراء التفاوض وفنونه سؤالاً محدداً حول كيفية بناء تفاهم حول مسألة تمويل الإرهاب، أو التوصل إلى حل وسط بشأنها، في ظل تمسك طرف بموقف تدعمه القوانين والقواعد والأعراف الدولية، والآخر بموقف مناور يلتف على هذه القوانين ويتمسك بتمويل الإرهاب، فلن نجد، على الأرجح، حلاً وسطاً بالمعنى المتعارف عليه للمفهوم.

 كيف يمكن التوصل لحل وسط بين تمويل الإرهاب ومكافحته؟ وبين دعم الإرهابيين وايوائهم من ناحية وبين نبذ الفكر الإرهابي وإدراج مروجيه ودعاته والمحرضين عليه ضمن القوائم الإرهابية لملاحقتهم قانونياً من ناحية ثانية؟ فهي معادلة صفرية: إما أن اتخلى أنا عن مبادئي واقبل دعم الإرهاب وتمويله، أو تتخلى أنت عن تمويل الإرهاب وتعود للصواب!

من غير المنطقي إذن أن توافق السعودية والامارات ومصر والبحرين على استمرار قطر في مواقفها المعادية لمصالح هذه الدول، سواء من حيث تمويل الإرهاب وايواء الإرهابيين، أو بناء تحالفات وعلاقات مناوئة للأمن الوطني الخليجي والعربي، ناهيك عن ملفات الإعلام والتحريض على الفتن والاضطرابات الداخلية وغير ذلك ولا يمكن أن يلومها أحد على دفاعها عن أمن شعوبها ومصالحها الاستراتيجية. وفي المقابل تبدو قطر متمسكة بالمضي وراء مشروعها الخاص القائم على أجندة خبيثة تلعب فيها دور "مخلب القط"أو "الوكيل"الإقليمي سواء لقوى مثل إيران وتركيا، أو لقوى دولية.

الأخطر من التساؤل حول نقطة الوسط أن المخارج من الأزمة قد استنفذت، فعلي سبيل المثال، أحرقت قطر من قبل فكرة "الفرصة البديلة"أو اللجوء إلى فتح صفحة جديدة، فقطر قد حصلت على فرصة بديلة بالفعل عام 2014 ووعدت وتملصت من وعودها وخرقتها وتحايلت على التزاماتها في اتفاق الرياض، وعادت إلى ما كانت عليه! والأهم من ذلك أنها اعترفت بكل ما تضمره من شر وحقد وغل ضد الدول الأربعة، وأخرجت ما في جعبتها من مكائد ومؤامرات فعلتها أو كانت تنوي تدبيرها للإضرار بهذه الدول!

في ظل هذه "العقدة"يبدو القول بالبحث عن حلول وسط نوع من التشوش الاستراتيجي لدى من يقول به، فهناك بالتأكيد حلول لكل أزمة، فليست هناك أزمة أو قضية من دون مخارج وبدائل وحلول ومقترحات، ولكن في أزمة قطر تحديداً يبدو الحل مرهون تماماً بعقلانية القيادة في الدوحة وإجراء تقدير موقف موضوعي للأزمة بما يؤدي بها إلى تبني مواقف مغايرة، أو الانصياع لصوت العقل والحكمة وقبل ذلك مصلحة الشعب القطري.

هذه العقلانية ترتبط بدرجة ما بمواقف القوى الإقليمية والدولية، التي تتحدث عن امكانية البحث عن حلول وسط رغم علمها التام بمشروعية موقف الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب. صحيح أن الوقوف في المنتصف أحد شروط نجاح الوساطات، ولكن في هذه الازمة تحديداً يفترض أن يكون هناك انحيازات، وفقاً لما استقر عليه المجتمع الدولي من أسس وقوانين ومبادئ ناظمة للعلاقات الدولية والأمن والاستقرار العالميين.

الحقيقة لها أكثر من وجه، ولكن الولايات المتحدة القائدة للنظام العالمي القائم قد أقرت على لسان رئيسها دونالد ترامب بأن لقطر تاريخ في تمويل الإرهاب، فكيف بعد ذلك أن يكون هناك حديث عن تعاطف أو تفهم للموقف القطري؟!

في مثل هذه الأزمات أيضاً علينا أن نتذكر أن إحدى أهم قواعد حل الأزمات، تقضي بضرورة دعم موقف الطرف ألأقرب للصواب، كمخرج وحيد للضغط على الطرف المخطئ للعودة إلى المسار الصحيح، وإلا فستظل الأزمة تدور في حلقة مفرغة.

اللافت أن العالم ظل يطالب الدول العربية والإسلامية بالإمساك بزمام المبادرة في ملف محاربة الإرهاب، ولما فعلت الدول الأربعة ذلك عقب قمة الرياض العربية ـ الإسلامية ـ الأمريكية، يدعوها البعض لتبني حلول وسط؟!

 

al ettihad