لا أرى مفاجأة من أي نوع في قرار الأمير تميم عودة السفير القطري إلى طهران، بل إنني فوجئت بأن السفير القطري كان لا يزال في الدوحة! وقناعتي الشخصية أن ما يدور بين إيران وقطر أكبر من مسألة عودة سفير، وما يحاك في الليل لا يرتبط بوجود سفير أو عناصر دبلوماسية، وما يدبره تميم والملالي يتم بعيدًا عن عيون السفراء والدبلوماسيين، فالمخططات الشيطانية ترسم في الخفاء داخل أقبية الحرس الثوري، وجنرالاته هم من يحددون الأدوار ويوزعون المسؤوليات، ولا حاجة للدبلوماسية في مثل هذه المهام المشبوهة.



منذ أن تظاهرت قطر بالانضمام إلى دول أخرى قامت باستدعاء سفرائها لدى طهران في يناير 2016 إثر هجوم محتجين إيرانيين على سفارة المملكة العربية السعودية في العاصمة الإيرانية وقنصليتها في مدينة مشهد، لم نر أثرًا يذكر لانحسار أو تراجع في العلاقات مع قطر، ولم نشهد ما يعكس وجود أي نوع من "العتاب" ناهيك عن الأزمات والتوترات وغير ذلك!

قرار القيادة القطرية عودة سفيرها إلى طهران هو قرار متأخر من وجهة نظري، كونه عديم الأثر والفاعلية من الناحية الواقعية، ويبدو أنه كان قرارًا مؤجلًا لاستخدامه واللجوء إليه في حال نفاد رصيد قطر من بدائل مناكفة واستفزاز الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، وبالتالي هو دليل إفلاس وفراغ جعبة تميم ورفاقه من بدائل وأوراق أخرى يوظفونها في لعبة العناد والمناكفة والمكابرة، ولكن عنصر التوقيت فاشل بامتياز، فمسألة عودة السفير لم تعد تعني الدول الأربعة، بعد أن تجاوز الموقف القطري المدى في اختراق جدار الأمن الوطني الخليجي والعربي، وأصبحت مسألة التمثيل الدبلوماسي مع إيران مسألة هامشية في ظل وجود تهديدات استراتيجية جوهرية ناجمة عن سياسات قطر الإقليمية ونواياها التي لا تضمر سوى الشر والحقد تجاه دول مجلس التعاون وبقية الدول العربية.

لا غرابة أيضًا في التحليل الخاص باستغلال ملالي إيران لأزمة الدول الأربع مع قطر في تحقيق مصالحهم السياسية وشق الصف الخليجي، فهذه الفرصة قد جاءت على طبق من ذهب لطهران، ولن استغرب إذا اكتشفت أن هناك تنسيق قطري ـ إيراني لافتعال الأزمة مع الدول الداعية لمكافحة الارهاب لتحقيق أحد اهم أهداف إيران الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يتعلق بتقويض منظومة مجلس التعاون، الذي يعد تماسكه ووحدته أحد اهم هواجس إيران الإقليمية، حيث يدرك الملالي أن المجلس منذ تأسيسه في عام 1981 يشكل حائط صد قوي في مواجهة الأطماع التوسعية الإيراني في شبه الجزيرة العربية.

حتى نفهم ما يدور من حولنا علينا ألا ننطلق في تحليل المشهد الاستراتيجي الراهن من معطيات اللحظة الراهنة، فإيران ليست محايدة في الأزمة بين قطر والدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب، بل تتخذ منها فرصة سانحة لتعظيم مكاسبها الإقليمية.

قطر التي افتعلت الأزمة ارتمت منذ اللحظة الأولى في أحضان الملالي، ولم تجد بديلًا عن الاحتماء بهم رغم ان أبجديات الحسابات الاستراتيجية تقول بأن إيران هي الخطر الأكبر على الشعب القطري وموارده من الثروة الغازية والنفطية، ولكن للقيادة القطرية حسابات أنانية لا علاقة لها بشعبها ومصالحه! ملالي إيران من جانبهم يستخدمون قطر في محاولة تفكيك منظومة مجلس التعاون، أو على الأقل الضغط على دول خليجية لتخفيف مواقفها تجاه طهران، فحائك السجاد الإيراني يسعى إلى "صفقة" يقايض فيها موقفه الداعم لقطر مقابل تفاهمات مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب! وغدا ستعض القيادة القطرية أصابعها ندمًا على ما فوتت من فرص للعودة إلى الصف الخليجي، بل قد تجد أبواب طهران مؤصدة في وجهها إن طلبت اللجوء يومًا إلى قم أو طهران!

كل شيء في السياسة جائز، فالمصالح تتصالح كما يقولون، ولعلنا نتابع كيف أن البيت الأبيض يلمح إلى ترتيب ما مع ألد اعدائه الأيديولوجيين في كوريا الشمالية وحركة طالبان، ونحن ندرك أن الدول الأربعة على وعي بكل هذه الحسابات المعقدة والمتشابكة، وتدير الأمور وفق مصالح شعوبها وما يضمن أمنها واستقرارها، ولكننا لن نعطي الأمان لخائن، أو ندير ظهرنا لمن سبق له طعننا، فالأمان لمن يؤتمن وليس لغادر أو خائن أو حاقد.

إيران لم تبدل استراتيجيتها في المنطقة عندما قررت دعم الموقف القطري، فالملالي دائما يبحثون عن وكلاء الفوضى والاضطرابات، صحيح أن قائمة هؤلاء الوكلاء ظلت تضم تنظيمات وجماعات وأحزاب متطرفة وأخرى إرهابية، ولكن ما الضير ـ من وجهة النظر الإيرانية ـ إن ضمت تلك القائمة دولًا؟ فإيران منذ سنوات تحاول استقطاب دول في مناطق شتى من العالم لاستفزاز دول أخرى، أما قطر فلن تتردد ولن تجد غضاضة في لعب هذا الدور الذي لا يليق بقادة يحترمون أنفسهم وشعوبهم، ولا يجب أن ننسى التعاون السري الذي كان قائمًا بين الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني ونظام القذافي لمناكفة واستفزاز المملكة العربية السعودية الشقيقة، بل ومحاولة تدبير المؤامرات ضدها وهذا الأمر موثقا وثابت باعتراف صوتي للأمير السابق نفسه!

 

sada