الخطب السياسية بشكل عام تعتمد بقدر كبير على عوامل عدة مهمة أولها المحاور والرسائل الحيوية التي يتناولها الخطاب، فلا يمكن أن يكتفي السياسي باجترار أحاديثه وتصريحاته السابقة في خطاب جديد، بل لا بد وأن يتناول أموراً جديدة، وثانيهما شخصية القائد أو الرئيس أو الزعيم السياسي ومقدرته على جذب الجمهور واقناعه بصدقية الحديث وجديته، وثالثها عامل التوقيت، الذي يلعب دوراً حيوياً في إكساب أي خطاب سياسي أبعاداً نوعية إضافية.

وفي ضوء ماسبق، فقد افتقر الخطاب الأخير لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد لكل هذه المقومات، فالخطاب جاء خالياً من أي محور مهم، ولم يأت بجديد، وهذا بحد ذاته يضع علامات استفهام حول مغزى الخطاب ومبرراته، فلا يبدو للمراقب الموضوعي سوى أن الخطاب ينتمي إلى نوعية خطابات الشحن السياسي والاعلامي،  وهذه النوعية من الخطابات تحتاج إلى قادة وساسة يمتلكون"كايرزما"يعتمدون عليها في جذب الجمهور وصرف أنظارهم عن محتوى الخطاب وفحواه، إذ يكفي أن يستمع الجمهور إلى القائد سواء قال جديداً أم مكرراً، وبالتالي لنا أن نتوقع أن تكون طريقة القاء الخطب السياسية في مثل هذه الحالات مميزة ولها سمات وخصائص محددة في الأداء والأسلوب، وكل هذه الأمور يفتقر إليها الأمير وخطابه، فلا الأمير يمتلك تلك الكاريزما، التي تجعل الجمهور القطري، ناهيك عن العالم العربي، يستمع إليه بشغف، ولا طريقة القائه للخطاب تتسم بأي قدر من الجاذبية، فجاء النتيجة بهذه الحالة البائسة، لرجل يتحدث وكأنه يقرأ "نشرة أخبار"لا خطاب سياسي!

مضمون الخطاب يحتاج إلى أكثر من تعليق، فقد عكس حالة يرثى لها من الضعف السياسي والكتابي والبلاغي لدى معد هذا الخطاب، الذي يحمل بصمات وعلامات المفكك الاستراتيجي عزمي بن بشارة، الذي وضعت فيه القيادة القطرية كل ثقتها، حتى وهو يقودها ويجرها جراً إلى المهالك!

لم يتضمن الخطاب أي شىء جديد سواء في مواقف قطر وسياستها الداخلية والخارجية، أو في رؤيتها للأمور، ولا حتى طرح معالجات جديدة للأزمات التي تسببت فيها سياسات القيادة القطرية للشعب! اكتفى أمير قطر بمحاولة شحن معنويات شعبه، ولكنه لم يعد يمتلك "الطاقة"القادرة على تغذية معنويات شعب يعاني بحق جراء طيش سياسات قيادته وعنادها وتعنتها في مواجهة دول خليجية وعربية شقيقة!

لم يفسر أمير قطر "سر"إصراره في الحديث عن "السيادة"وربط مطالب الدول المقاطعة بسيادة قطر، وفي الوقت ذاته يوافق على توقيع اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة ويقبل رقابة أمريكية على مؤسسات سيادية قطرية بوجود مسؤولين أمريكيون يتابعون كيفية تنفيذ النائب العام القطري لما اتفق عليه من التزامات في هذه الاتفاقية!

المنطق يقول أن الخطاب كان يجب أن يتناول "التطورات الجديدة"وأهمها بطبيعة الحالة ما يتعلق بهذه الاتفاقية التي وقعتها قطر مع الولايات المتحدة، والجنود الأتراك الذين يتوالى وصولهم إلى الأراضي القطري لحماية عرش الأمير في حال تعرض لغضب شعبه، ولكنه لم يتناول ذلك، واعاد اجترار نقاط معروفة وبث "رسائل"غريبة مثل وضع صورة الوالد الوالدة وشكر الأمير الوالد في محاولة لكسب تعاطف القطريين، علماً بأن الحديث عن الأمير الوالد قد استغرق وقتاً لا يتناسب مع طروف الكلمة ولم يتضمن تفسيراً لمناسبة هذا الكلام!

استخدم أمير قطر مفردات سياسية لا هدف لها سوى كسب التعاطف، بما يعكس أزمة ثقة حقيقية في علاقة بيت الحكم القطري بشعبه، فالمقدمة الطويلة التي استهل بها الأمير خطابه تبدو وكأنها محاولة لكسب ثقة شعبية باتت مشكوك بها واهتزت بقوة في ظل توابع المقاطعة التي لا تتعامل معها القيادة القطرية بما تستحق من جدية والتزام سياسي. أما طريقة القاء الخطاب بالسرعة والتردد والتشتت في القراءة فهذه بحد ذاتها تحتاج إلى "وقفات"لتفسيرها لأنها ذات علاقة مباشرة بموقف القيادة القطرية، التي تفتقر إلى الثقة بالذات وتستعين في  ترميم هذه الثقة بصورة الأمير الوالد كي يمكن لها بناء نوع من التواصل وكسب بعض الثقة من الشعب القطري!

العامل الثالث في الخطاب السياسي يتعلق بعنصر التوقيت، وهنا لا أقول أن توقيت الخطاب لا يحتاج إلى ظهور من أمير قطر، بل العكس هو الصحيح فبلاده تعيش أزمة حقيقية تتطلب أن يخرج الأمير على شعبه بخطاب أسبوعي أو كل ما يطرأ جديداً لإعلان ما وصلت إليه الأمور والخطوات التي تتخذها قيادته، وبالتالي فالمسألة لا تتعلق بتوقيت الخطاب، ولكن الغريب أن يصدر هذا الخطاب ويتم الاعلان عنه بكثافة في وسائل الاعلام القطرية بما يوحي أن أمراً جديداً طرأ، ثم يكتشف الشعب القطري أن الأمير لم يأت بجديد، وأهدر كثيراً من الوقت في الحديث عن مآثر الأمير الوالد والحديث عن أفكار وعناوين عابرة من دون رقم أو احصاء أو بيانات مؤكدة حول حجم تأثر البلاد بأزمة المقاطعة والاجراءات التي اتخذت لمعالجتها أو الحد من آثارها!

sada