وصف قطر بأنها ممول تاريخي للارهاب ليس من عندي، ولا ازعم أنني صاحب الفضل فيه، فقد ورد على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العاشر من الشهر الجاري، حيث اعتبر ترامب أيضاً أن قطر ممول للارهاب "على مستوى عال"، وهذا الأمر يعني أن هناك معلومات مؤكدة لدى الولايات المتحدة حول التمويل القطري للارهاب، وأن هذه المعلومات يمكن أن تفتح ممرات ومسالك قانونية عدة، بل قد تفضي إلى تقديم الأمير نفسه إلى "الجنائية الدولية"بتهمة ارتكاب جرائم ضد المدنيين على خلفية تورطه في تمويل ودعم وتوفير السلاح لتنظيمات ارهابية.

لا يبدو أن القيادة القطرية تأخذ هذا الكلام على محمل الجد حتى الآن، وتعتمد بشكل قوي على الدعم المزدوج من قبل إيران وتركيا، وهما دولتان غير قادرتان على حماية قطر في حال بناء تحالف دولي أوسع لردعها عن الاستمرار في تمويل ودعم الارهاب، فتركيا غارقة حتى أذنيها في الأزمة السورية، ولا يمكنها توفير غطاء عسكري لقطر في ظل معاناتها ومخاوفها المتزايدة إزاء طموحات الأكراد، رغم ما يثار بشأن إرسال نحو 5000 جندي تركي لقطر، أما إيران فليس بوسعها الوقوف بوجه الولايات المتحدة من أجل حماية عرش أمير قطر !!

الحاصل الآن أن هناك مصالح تجارية هائلة لاحت للدولتين فجأة فقررتا الاستفادة من الأزمة في ابتزاز تميم والحصول على أكبر قدر من الأموال من أجل توفير السلع الغذائية والاسهام في ظهور قطر بمظهر من لم يتأثر بالمقاطعة والحصار المفروض من الدول الخليجية والعربية، وهذه "الصورة"يمكن أن يدفع تميم مقابلها بضعة مليارات من الدولارات للأتراك والايرانيين، ولكن الحقيقة أن الاقتصاد القطري قد اهتز بشدة، وأن البورصة التركية تتهاوى، والحياة الاقتصادية على وشك التوقف، وأن عشرات المليارات التي استثمرت في منشآت كأس العالم باتت مهددة بالضياع بسبب توقف العمل في هذه المشروعات، ناهيك عن تزايد احتمالات سحب ملف التنظيم من قطر وإسناده إلى دولة أخرى.

أبجديات السياسة تقول أن الشيخ تميم قد ارتكب خطأ فادح حين راهن منذ اللحظة الأولى على حماية الحرس الثوري والقوات التركية لعرشه، فلم يفكر بعقلانية في سبل حل الأزمة بل انصب تركيزه على حماية نظام حكمه في مواجهة غضب القطريين، الذين استيقظوا فجأة على حقائق مهولة تتعلق بتورط بلادهم في دفع المليارات لتنظيمات الارهاب، بدعوى مساندة الشعب السوري تارة، ودعم القضية الفلسطينية تارة أخرى!!

لا يمكن لأي عاقل أن يزج ببلد بحجم ومقومات الدولة القطرية في أتون صراع شرس بين القوى الاقليمية والعظمي، ولا أن يجازف بأمن واستقرار شعبه ويفتح الباب على مصراعيه لكل المنبوذين والمطرودين والملاحقين من دولهم كي يعيشوا في فنادق الدوحة ويحصلوا على أعلى المخصصات من أموال الشعب القطري، لمجرد أن الأمير يتصور أن بامكانه استخدام هؤلاء كورقة ضغط على دولهم في يوما ما!!

استنساخ سياسات الدول الكبرى في الامساك بكل الأوراق واللعب مع كل الأطراف مجازفة غير محسوبة، فقطر دولة صغيرة، ليست لديها مقومات القوة الشاملة كي تقف في وجه الأعاصير إذا هاجت، ولا قبل لها بمواجهة طوفان الغضب الاقليمي في حال اكتشاف مؤامراتها ومصائبها، وهذا ما حدث بالفعل، بعد أن فاض الكيل ونفذ صبر دول مجلس التعاون، وسحب تميم كل رصيده من الاحتياطي الاستراتيجي للصبر والتريث في نفوس قادة دول مجلس التعاون.

عندما يقول الرئيس الأمريكي أن قطر ممول تاريخي للارهاب فهو يعني ذلك بكل تأكيد ويعرف ماذا يقول، بل علينا أن نتوقع أن المخفي في هذا الملف أكثر من المعلن، وأن الإدارات الأمريكية السابقة قد غضت الطرف عن كوارث القيادة القطرية لاعتبارات لا تعبأ بها الإدارة الأمريكية الحالية، التي أخذت على عاتقها خنق الارهاب ومصادر تمويله بكل جدية.

تصريحات ترامب تؤكد أن قاعدة "العديد"لم يعد لها مستقبل في قطر، فليس من المنطقي أن تحتفظ الولايات المتحدة بأكبر قاعدة عسكرية لها خارج البلاد داخل دولة راعية للارهاب، وهذا الوضع غير المريح للولايات المتحدة هو مايفسر محاولات الدبلوماسية الأمريكية تخفيف حدة الأزمة مع قطر، وامتصاص غضب دول مجلس التعاون من أجل كسب بعض الوقت كي تقرر مصير القوات والعتاد الأمريكي في قاعدة "العديد"، وتحدد مقر آخر له للتخلص من هذه الوضعية المسيئة لسمعة الجيش الأمريكي، الذي يتمركز الآن على أرض بلد راع للارهاب الدولي!!

تسارع الأحداث لم يدع فرصة للقيادة القطرية، فيما يبدو، لتركيب تفاصيل المشهد بأكملها، وبلورة صورة متكاملة عن الكارثة الاستراتيجية التي أوقعت البلاد فيها بسبب رعونتها واستهتارها وغروروها، الذي سيودي بها إلى المهالك!

ردة فعل تميم وطلبه الحماية التركية والايرانية العاجلة تؤكد أيضاً صحة ما نسب إليه من تصريحات بشأن القاعدة الأمريكية في "العديد"وأنه يعتمد عليها في حماية قطر مما زعم أنه أطماع دول الجوار، فهو يعتمد في رؤيته الاستراتيجية اللا واعية على فكرة القواعد الأجنبية، علماً بأن كل ما تثيره الأدوات الإعلامية والتمويلية التي يمتلكها لا تصب في مصلحة الدولة ولا الشعب القطري بأي حال!

هل هناك أحد يعرف أن القطريين يستفيدون من إرسال عشرات الملايين لتنظيمات الارهاب في العراق وسوريا؟! وهل هناك قطري واحد يمكن أن يوافق على تحمل بلاده هذه المخصصات المالية الهائلة التي تصرف على قادة تنظيم الاخوان المسلمين الارهابي؟ وهل يوفق القطريين على انفاق اموال بلدهم على إصدار صحف وبث مواقع تلفزيونية من دول مختلفة بهدف كيل السباب والشتائم للنظام الحاكم في مصر الشقيقة؟

الخروج من المأزق القطري لن يأتي عبر تركيا او إيران، بل عبر وقف ما أسماه الرئيس الأمريكي التمويل التاريخي للارهاب، ثم الجلوس على مائدة المفاوضات لاثبات جدية النوايا كي تثبت القيادة القطرية أنها تطهرت من كل ما فعلته على مدى سنوات طويلة مضت.

 

 

.