ظل مصطلح "أزمة العقل"مرتبطاً ـ إعلامياً على الأقل ـ بالعقلين العربي والإسلامي وموضع نقاش من جانب التيارات الفكرية والأيديولوجية المختلفة طيلة العقود والسنوات الماضية، ولكني أرى أن المصطلح أو المفهوم لا يرتبط بأمم وشعوب فقط، بل ينسحب على قادة حكومات يمكن أن تعاني هذا الداء العضال أيضاً، فلا ريب أن ما يحدث من جانب القيادة القطرية منذ سنوات وعقود مضت، وتفاقم في الآونة الأخيرة، ليس سوى أعراض لأزمة عقل عميقة لم تجد لها علاجاً حتى الآن.

هناك قد يجادلني البعض مشيراً إلى أن سياسات قطر تعاني "أزمة حكم"أو "أزمة سياسات"، وهنا اقول أن أدبيات العلوم السياسية تفسر مفهوم "أزمة الحكم"أو "أزمة السياسات"بشكل مغاير لما يحدث في قطر، فالدوحة تشهد بالفعل في الآونة الأخيرة أزمة ناجمة عن غياب الوعي الاستراتيجي، وهذه الأزمة ناجمة عن اختطاف العقل القطري لمصلحة فريقين اثنين يتصارعان حول مصالحهما الذاتية، وهما فريق ينتمي إلى تنظيمات إرهابية في مقدمتها الإخوان المسلمين، وفريق ثان يقوده "المفكك"الاستراتيجي الأخطر د. عزمي بشارة رئيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة.

وبشارة، لمن لا يعرف، هو أحد العقول ذات الهيمنة على قرارات الأمير تميم، فهو يعتبر "المربي السياسي"للأمير الشاب، فقد كان بشارة لسنوات المسؤول عن التنشأة السياسية للشيخ تميم، وبالتالي فإن سيطرة بشارة على "أدوات"الحكم القطرية قد ازدادت عقب تولي الشيخ تميم السلطة، ولاسيما عقب إبعاد الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري السابق، عن السلطة.

بشارة بات هو المسؤول والمخطط لشبكات الإعلام القطرية الجديدة، التي خطط لها كي تكون بديلاً أو رديفاً لشبكة "الجزيرة"، إثر انهيار مصداقية الأخيرة في المنطقة والعالم عقب فوضى اضطرابات 2011، فتولى بشارة التخطيط لأدوات إعلامية جديدة منها صحف ومواقع الكترونية، ومنها قنوات فضائية، بعضها يدار بشكل مباشر، وأخرى تدار وتمول بشكل غير مباشر عبر أشخاص موالين لقطر، وهنا برزت صحف مثل "هافنجتون بوست"وصحيفة "العربي الجديد"وقنوات "الإخوان"، ومجموعة الإعلاميين المصريين الهاربين غير المحسوبين تنظيمياً على جماعة "الإخوان المسلمين!

منذ تولي الأمير السابق، حمد بن خليفة آل ثاني، للسلطة، بلورت قطر رؤيتها الاستراتيجية اعتماداً على امكانية الجمع بين المتناقضات والامساك بكل الأوراق، واللعب على كل الحبال والتنقل بينها، وتوظيف كل منها في التوقيت المناسب لما تراه المجموعة الحاكمة في الدوحة مصلحة للدولة القطرية، أو هكذا تدعي وتغلف قراراتها وسياساتها، واستغلت في ذلك "تعفف"القادة والزعماء العرب عن الخوض في مستنقعات الوحل الإعلامية والسياسية، والترفع عن ألاعيب الصغار، حيث ظلت الدوحة لسنوات طويلة تلعب دور "المشاغب"الاقليمي إعلامياً وسياسياً، من دون ردة فعل قوية من اللاعبين الرئيسييين في المنطقة، وفي مقدمتهم مصر والسعودية، اللتان كانت تنظران لقطر باستحفاف معتبرتان أنه لا يليق بهما منازلتها في ساحات العبث والمؤامرات!!

لم يكن هناك  إلمام خليجي وعربي بما يدور وراء الكواليس وخطورة الدور القطري، الذي ظل محصوراً داخل فكرة "الشغب"حتى عام 2011، ثم ما لبث أن كشف عن وجه آخر وهدف أخطر مما تصور الجميع، حيث لعب الإعلام القطري دور المحرك والمحرض للاضطرابات والاحتجاجات في دول عربية عدة، وظهر على الشاشات بعض "المتآمرين"، الذين كانوا يتلقون التدريبات النظرية لفترات طويلة في "أكاديمية التغيير"بتمويل قطري، ولم تكن الأنظمة الحاكمة في دولهم تعتقد أن ورائهم مخطط كبير لإسقاط دول والتلاعب بمصائر شعوب!!

شخصياً، لا أرى جديداً في تصريحات أمير قطر الحالي، التي زعمت الدوحة أنها مدسوسة، بل الغريب تماماً هو التبرؤ من هذه التصريحات والمواقف، فمن يتابع السياسة القطرية لا يرى غرابة في هذه التصريحات.

مواقف قطر تجاه إيران نابعة من رؤية استراتيجية لم تتغير، وتنطلق من بناء علاقات مع الأطراف المعادية لبعضها البعض، فهنك علاقات قطرية مع حماس وإسرائيل، ومع طالبان والولايات المتحدة، وتنظيمات الارهاب والتحالف الدولي المضاد لها، ومع السعودية وإيران، ومع الحوثيين والنظام الشرعي في اليمن، وهكذا تمضي قطر على درب شائك طيلة السنوات الماضية!

وهذا النهج ورثه الأمير تميم عن والده، وكانت هناك توقعات بتغييره والتخلي عن نهج المغامرة، ولكن هذا الأمر لم يحدث، واستمرت الدوحة في عبثها، بل تمادت!! والإشكالية أن قطر لم تدرك التحولات الاستراتيجية من حولها، فهناك إدارة أمريكية جديدة لها توجهات مغايرة تماماً لنهج إدارة الرئيس السابق أوباما، والاتفاق النووي مع إيران بات يواجه مصيراً غامضاً، كما بت استمرار الرهان القطري على تنظيمات الإسلام السياسي كاشف عن واحد من سيناريوهات ثلاثة: إما أن قطر لا تعي ما يدور حولها من تغيرات استراتيجية عميقة ومتسارعة، أو أنها قد وقعت أسيرة هذه التنظيمات وسقطت بين حبائلها بحيث لم تعد الدوحة قادرة على الفكاك من سيطرة الاخطبوط الارهابي، أو أن قطر تنفذ "تعليمات"تأتي إليها من عواصم كبرى، وهي الحجة التي كان يستريح لها ويستأنس بها كثير من خبراء السياسة في منطقتنا، ولكن الحاصل الآن أن الولايات المتحدة، وهي القائد المهيمن على النظام العالمي الجديد، قد سكنه رئيس جديد معاد لتنظيمات الاسلام السياسي كافة، كما أن دول مثل بريطانيا بات لها مواقف مغايرة لهذه التنظيمات بعد أن ذاقت الأمرين بسبب التعاطف معها في حقب زمنية سابقة!!

هل فشلت قطر في قراءة خارطة التحول الاستراتيجي إقليمياً وعالمياً وأخفقت في ملاحقة الأحداث وتعديل موقفها كما كان يحدث سابقاً؟ لو كان هذا ماحدث فنحن بالفعل أمام أزمة عقل قطري، ربما لضعف خبرة الأمير الحالي، وفشله في الاعتماد على مستشارين قادرين على قراءة الواقع ومتغيراته بشكل جيد.

الأرجح أن أزمة العقل القطري تمثل كارثة بكل المقاييس لمنطقتنا ما لم يحدث تعديل للأوضاع في دائرة الحكم القطرية خلال المدى القريب، فقطر دولة ثرية، ولديها شبكات علاقات مشبوهة مع الارهاب والتطرف وغير ذلك، ومن البديهي أن يتسبب فقدان وعيها بما يدور من حولها كوارث عديدة.

والمطلوب الآن، أن تعيد دوائر الحكم القطرية حساباتها، وأن تدرك أن هناك معطيات جديدة في الشرق الأوسط، فلا مستقبل لتنظيمات الارهاب، ولا وجود لجماعة الإخوان المسلمين الارهابية، وهناك إصرار اقليمي على استعادة هيبة الدول، ونبذ الوكلاء وتنظيمات الارهاب، وبالتالي فإن استمرار الرهان القطري على التناقضات خاسر لا محالة، ولكن الخاسر الأكبر أن يظل الشعب القطري أسيراً لهذه المعادلة الفاشلة في الحكم.

أزمة العقل القطري، هي أزمة مرضية سياسية، علينا جميعاً ان نتعامل معها باعتبارها حالة خطرة قد تفجر المنطقة بأكملها، وهنا أثق في حكمة قادة دول مجلس التعاون في التعامل مع هذا الوضع الطارىء.