لماذا لا تصدق دول مجلس التعاون السيناريو القطري الخاص باختراق موقع وكالة الأنباء الرسمية ونشر تصريحات مسيئة منسوبة للأمير تميم بن حمد عبر موقع الوكالة؟ ولماذا تصر هذه الدول على تجاهل النفي القطري الرسمي وتتعامل مع الواقعة باعتبارها حدثاً مؤكداً؟ ولماذا خرجت الخلافات الخليجية ـ الخليجية إلى النور هذه المرة وباتت تدار بشكل مغاير لموروث هذه العلاقات التاريخي حتى في أشد أزماتها وأحلكها؟ تساؤلات مهمة يطرحها الكثيرون في مواقع الانترنت وعبر وسائل الإعلام إقليمياً ودولياً،  وفي الرد على ذلك يمكن الإشارة إلى أمور عدة أهمها أنه رغم النفي القطري الرسمي لهذه التصريحات، فإن السلوك العلني لقطر منذ هذه "الواقعة"لا يزال مثار استغراب ولا يتماشى مطلقاً مع فكرة النفي، بل أكاد أقطع بأنه يصب في اتجاه تأكيد صحة التصريحات ودحض سيناريو الاختراق الالكتروني، ولذلك شواهد عدة منها أن هناك حملة عدائية إعلامية قطرية شنتها، ولا تزال، وسائل الاعلام القطرية والموالية لها ضد دول مجلس التعاون، وهناك غمز ولمز لا يليق بوزير خارجية ضد دول شقيقة، وأنها تقف وراء نشر مقالات معادية لقطر في صحف أمريكية!

الأمر لا يقتصر على ذلك، بل يتضمن أيضاً "أسلوب"وتوقيت تهنئة الرئيس الإيراني حسن روحاني بفوزه بفترة رئاسية ثانية، وفي ذلك قد يقول قائل إنها تهنئة بروتوكولية، ولا علاقة لها بالتوتر الحاصل، وهذا الأمر جائز ولا غبار عليه لو أن التهنئة كانت فعلاً بروتوكولية، أو إنها اقتصرت على برقية، بل جاءت من خلال اتصال هاتفي حرصت وسائل الاعلام القطرية على إبرازه، وتسويق محتواه بشكل ينطوي على معان ودلالات لكل من يعرف سياسة "كيد النسا"التي يبرع فيها الاعلام القطري للأسف الشديد،  حيث حرصت نشرات الأخبار القطرية على إبراز خبر الاتصال الهاتفي الذي تضمن الحديث عن الرغبة القطرية في تطوير العلاقات مع طهران!!

حسناً، في هذا التوقيت السيء تعلن الدوحة رغبتها في توثيق العلاقات مع إيران؟ ألا يعني ذلك شيئاً؟! وهل العلاقات القطرية ـ الإيرانية بحاجة إلى مزيد من التوثيق والتقارب كي تختار الدوحة مناسبة التهنئة للإعراب عن رغبتها في ذلك الآن ووسط هذه الأجواء؟ المعلوم للجميع أن العلاقات بين الجانبين قوية ووثيقة، وهناك تنسيق بلغ حد التقاء وزير الخارجية القطري مع جنرال الحرس الثوري قاسم سليماني خلال زيارة الوزير القطري إلى العراق عقب القمة الإسلامية ـ الأمريكية مباشرة!! وهذا اللقاء المريب كشف عنه الجانب العراقي وكان يمكن أن يمر مرور الكرام من دون أن يدري أحد عنه شيئاً، ولكن العراق سعى إلى التنصل من أي شبهات حول أهداف هذا اللقاء فكشف عنه خشية اتهامه بالتورط في مؤامرات قد تحاك خلال هذا اللقاء القطري الإيراني، الذي جمع وزير خارجية بقائد ميلشيا ارهابية!!

لن نشكك في ما وراء لقاء الوزير القطري مع سليماني، ولن نزعم أنه تناول موضوعات مريبة، ولكن هناك في السياسة والعلاقات الدولية مبدأ يتعلق بالموائمة السياسية، أي حسن الفطنة في اختيار التوقيت والقرارات والسياسات، وقطر تدرك هذه الأمور جيداً فهي لاعب متمرس وراء الكواليس، ومن الصعب القول بأن أمراً ما قد فات على الساسة القطريين، وبالتالي فإن المكالمة الهاتفية وتسريب نصها المستفز لم يكن عملاً عادياً، بل رسالة واضحة تؤكد صحة محتوى التصريحات التي زعمت الدوحة أنها مدسوسة عليهاً.

المعروف للجميع أن قطر التي تشكو اليوم من الإعلام وضغوطه التي تمارس ضدها، هي التي قامت باستحضار هذا "الجان"الشقي في منطقتنا العربية، وهي من كان لها قصب السبق في توظيف الاعلام في حروب القوة الناعمة الجديدة المعروفة بحروب الجيل الرابع والخامس وغير ذلك، ومن ثم فمن المضحك أن تشكو "الجان"الذي قامت هي نفسها "باستحضاره"من دون أن تمتلك المقدرة على "صرفه"!!!

هناك نقطة أخرى في غاية الأهمية أيضاً، وهي نظرة قطر لعلاقاتها مع "الأشقاء"في دول مجلس التعاون، حيث يفترض أن حدث بضخامة هذه التصريحات "الوقحة"كان يستوجب ردة فعل قطرية مساوية له في التأثير ومضادة له في الاتجاه، بمعنى أن نفي هذه التصريحات وبشكل عابر لم يكن كافياً، وكانت هناك بدائل يمكن اللجوء إليها للحفاظ على علاقات قطر مع دول مجلس التعاون التي نالها الكثير من هذه التصريحات، فقد كان الأمر يستحق مؤتمراً صحفياً يعقده الأمير صاحب التصريحات التي قيل أنها "مفبركة"، أو وزير خارجيته على الأقل ليس لنفي الواقعة، ولكن لتوضيح حقيقة موقف قطر تجاه النقاط الجدلية الواردة في هذا التصريح!

ألا تحتاج رؤية قطر الاستراتيجية لعلاقاتها مع دول مجلس التعاون وعلاقاتها مع إيران في هذا الموقف تحديداً لإعادة تأطير أو تعريف؟ شخصياً أميل إلى فكرة رغبة قطر في البقاء في منطقة الشغب والتمرد الإقليمي، ربما لحسابات تتعلق بقيادتها التي تراهن دائماً على المجهول وتفضل البقاء خارج مربع العمل المشترك والتغريد خارج السرب!

موقف قطر الغريب وغير المنطقي يثير تساؤلات بديهية مشروعة: هل باتت قطر وقيادتها أسيرة لدى جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وإيران وتخشى التراجع عن مواقفها تحسباً لافتضاح أمرها ونشر هذه الأطراف وثائق إدانة للموقف القطري طيلة الأعوام الأخيرة، وخصوصاً في ما يتعلق بالأحداث والاضطرابات في دول عربية مثل مصر وليبيا وسوريا؟ وهل تخشى قطر تسريب وثائق تتصل بعلاقات تمويل مع جماعات إرهابية في حال اصطفت إلى جانب دول مجلس التعاون ضد الإرهاب وإيران؟ هل وازنت قطر بين مصالحها الاستراتيجية مع مجلس التعاون من ناحية وبين إيران؟ وهل باتت قطر على قناعة بأن بقاء نظامها بات مرهوناً بالاستمرار في خندق دعم الإرهاب والجماعات الإرهابية؟

المؤكد أن هناك الكثير من الأسرار التي لم يكشف عنها في علاقات قطر وخططها الإقليمية، والمؤكد أن القيادة القطرية ربما باتت تنظر بقلق لتسرب أي من الوثائق المرتبطة بهذه العلاقات المشبوهة فتفضل المضي في طريق العداء مع دول مجلس التعاون وتغامر بمستقبل شعبها في سبيل الحفاظ على نظامها.

باعتقادي أن هذه الرهانات ليست ضمانة كافية لأمن النظام في قطر، فهي رهانات خاسرة، وهذه التنظيمات العميلة والجماعات المتآمرة يمكن أن تضحي بحلفائها القطريين في حال توصلت إلى "صفقة"مغرية مع رعاة آخرين في الغرب أو الشرق، وهنا مكمن الخطر المحتمل، ووقتها تكون قطر قد خسرت كل شيء ولن يتبقى لها صديق أو حليف!!

المؤكد أن هناك الكثير مما يدور الآن وراء كواليس السياسة القطرية، التي أوقعت نفسها في مأزق قد لا تنجو منه، وربما يتسبب في نهاية الحلم القطري الجامح لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق رؤية أصدقاء قطر المقربين!!

alroeya logo.jpg