هناك شكوك كثيرة ومبررة حول قرار حظر حمل الحواسب المحمولة على الرحلات الجوية القادمة من 10 مطارات في دول شرق أوسطية، ومنها مطاري أبوظبي ودبي، وهما مطارين معروفين بتطورهما ودقة الإجراءات الأمنية المتبعة فيهما، بل إن الغريب أن مطار أبوظبي تحديداً يضم وحدة جوازات وهجرة أمريكية تقوم بإجراءات التفتيش بنفسها!

وكانت بريطانيا قد فرضت هي الأخرى حظرا مماثلا، ولكنه مطبق على 14 شركة طيران تسير رحلات مباشرة من تركيا ولبنان والأردن ومصر وتونس والسعودية.

مسألة التذرع بالإرهاب في قرار حظر الحواسيب تبدو محفوفة بالشكوك، وليست منطقية لأسباب واعتبارات عدة، ولا أستطيع اقناع نفسي أو الآخرين بأن  الحظر يمثل بالفعل "إجراء وقائي"كما قيل، ولا بالمزاعم القائلة بأن مطارات دولة الإمارات ودول الخليج أضعف في الإجراءات الأمنية من مطارات دول كثيرة لا يخضع الركاب المسافرين إلى الولايات المتحدة منها لإجراءات قياسية أو معيارية محددة، كما لا يمكنني الاقتناع بأن الإرهابي الذي يعتزم تفجير طائرة سيتوقف نهائياً عن ذلك بمجرد علمه بحظر السفر من مطارات معينة في الشرق الأوسط، وكأنه لن يستطيع المحاولة من مطارات أخرى ربما تقع في "جمهوريات موز"لا يسمع عنها أحد!!

الشكوك تطال أيضاً فكرة الحظر على مقصورة الركاب فقط، ولا ترد على تساؤل بديهي في هذا الشأن: كيف تكون المخاطر المترتبة على وجود الحاسوب في الأماكن المخصصة للمسافرين، في حين لا توجد مخاطر أو مخاوف بشأن تهريبها داخل حقائب الشحن؟!! ألا يطال الخطر الطائرة بأكملها في حل تعرضت لمؤامرة تفجير إرهابية، لا قدر الله؟؟!!

الخبراء يقولون إن الحقائب المشحونة تشكّل خطراً أقل في الجو لأن القنبلة المهربة في الأمتعة تحتاج إلى جهاز متطور لضبط الوقت، وقد تنفجر في الأمتعة قبل الأوان، أو قبل إقلاع الطائرة، في حال تأخّرت الرحلة أو في حال تسبُّب عمال شحن الحقائب بانفجار القنبلة أو تعطيلها عن غير قصد منه، بسبب الخشونة في التعاطي مع الحقيبة. ولكن هذا التفسير يبدو هو الآخر عير مقنع لأن الفارق لا يكمن سوى في هامش الخطأ ومستوى التطور التقني للجريمة، ناهيك عن أن تفجير طائرة قبل إقلاعها أيضاً مسألة ليست هينة، لاسيما أن الإرهاب بات يستهدف مجرد اثارة الرعب ونشر الخوف وليس فقط إيقاع أكبر قدر من الضحايا، وهو هدف يتحقق بمجرد الاشتباه في وجود قنبلة وليس فقط تفجير طائرة على ممرات الإقلاع!!

الشكوك لا تقتصر علينا فقط في الدول المعنية بالحظر، بل طالت أيضاً اتحاد صناعة الطيران المدني "IATA"الذي أعلن إن الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة وبريطانيا على اصطحاب الحواسب المحمولة على متن رحلات جوية معينة لن يكون فعالا كإجراء أمني، إذ قال ألكسندر دو جونياك، الرئيس التنفيذي للاتحاد في خطاب وصفته التقارير الإعلامية بأنه "قوي اللهجة"، إن الحظر يؤدي أيضا إلى "تشوهات تجارية." وشكك جونياك في هذه الإجراءات قائلا: "لماذا لا توجد قائمة أمريكية بريطانية مشتركة بالمطارات؟ كيف يمكن أن تكون الحواسب المحمولة آمنة على متن بعض الرحلات الجوية وليست آمنة على البعض الآخر خاصة في الرحلات التي تنطلق من مطارات مشتركة"، وأضاف قائلا: "إن الإجراءات الحالية لا تمثل حلا مقبولا طويل الأمد لأي تهديد يحاولون تخفيف أثره، وحتى على المدى القصير يصعب فهم فعاليتها، كما أن التشوهات التجارية التي ستسببها ستكون كبيرة."

لقد اقتطعت إجراء كبيرة من حديث رئيس الاتحاد الدولي المختص بتنظيم الطيران التجاري، واعرف أن كلامه كافياً لتأكيد شكوكي، لاسيما أن حديث المسؤول الدولي قد أشار إلى علاقة بين ما وصفه بالتطورات السياسية وتقييد الحدود والإجراءات الحمائية، ولم يتناول ضمن أضلاع هذا المثلث التهديد الإرهابي!!

هناك جانب آخر يتعلق بأن ترديد قصة الحاسوب الذي هربته جماعة "الشباب"الإرهابية الصومالية على متن طائرة مدنية العام الماضي، يضيف مزيداً من الشكوك ولا يؤكدها، فالطائرة أقلعت من مطار صومالي وليس مطاراً ضمن المطارات التي شملها الحظر، وبالتالي من الغريب أن يكون رد الفعل بهذا الشكل!!.

لا أشكك كلياً في المعلومات الاستخباراتية التي تحدثت عنها بعض الصحف الأمريكية، وأن هناك جماعات إرهابية تنوي تصنيع عبوات ناسفة ووضعها داخل الأجهزة الإلكترونية بطريقة وصفت بأنها "عصية على الاكتشاف"، ولكن السؤال هنا: هل تراجعت هذه الجماعات عن خططها بمجرد حظر حمل الحواسيب على شركات الطيران المشمولة بالقرار الأمريكي؟

هذا القرار يشبه تماماً قرار حظر حاملي جوازات دول معينة من دخول الولايات المتحدة رغم أن الكثيرين يدركون أن الإرهابيين لا يقتصرون على دول بعينها، وأن الجريمة الإرهابية باتت اعتقد من التفكير الأمني التقليدي، وتتطلب تفكيراً خارج الصندوق وإبداعاً في الرد والاستجابة المفترضة، وأحدث مثال على ذلك الجريمة الإرهابية الأخيرة في بريطانيا، حيث أقرت الشرطة البريطانية بعدم وجود دلائل قاطعة تربط بين المجرم، الذي قتل في الاعتداء، وبين تنظيمات الإرهاب، بل تقول إن فكرة تطرفه داخل السجن ليست سوى مجرد مزاعم رددها الإعلام، وهذا لا ينفي وجود علاقة ما بين المجرم والإرهاب ولكن الجريمة الإرهابية تطورات للغاية ولم يعد من السهل تتبعها واكتشاف خيوطها سواء عبر الاتصالات التقليدية أو الرقابة الأمنية المتعارف عليها!!

ما يثير الشكوك أيضاً ان القرار الأمريكي بشأن الحظر لم يتضمن مبررات واضحة، ويبدو أنه نوع من التهرب من التحقيق في جدية هذه المبررات، مكتفياً بالنص المبهم، علاوة على أن معظم الشركات المستهدفة هي شركات خليجية لديها بالفعل خلافات تجارية مع منافسيها من شركات الطيران الأمريكية والغربية، وكانت هناك مخاوف بالفعل من إجراءات حمائية قد تقدم عليها إدارة الرئيس ترامب في هذا السياق.

التقارير الإعلامية تؤكد أن الرئيس ترامب التقى الرؤساء التنفيذيين لشركات الخطوط الطيران الأمريكية الكبرى في فبراير الماضي، وتعهّد بمساعدتها في معركتها ضدّ منافساتها الأجنبية التي تحصل على مساعدات من دولها، بحسب تقارير نشرتها مؤسسات أمريكية. وهذا الإجراء يفتح الباب أمام حروب تجارية مدمرة، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي قد يحذو حذو الولايات المتحدة، حيث يتوقع أن يسن الاتحاد قانوناً يفتح الباب أمام فرض رسوم على شركات الطيران الأجنبية أو تعليق حقوقها للطيران إلى المطارات الأوروبية إذا ثبت أنها تضر بشركات الطيران الأوروبية!!

إحدى الإشكاليات في معالجة هذه المسألة أن قواعد منظمة التجارة العالمية لا تنطبق على شركات الطيران، والمنظمة غير معنية بأي ممارسات سلبية في هذا الإطار، حتى وإن ثبت أنها إجراءات حمائية مضادة لمبادىء حرية التجارة.

ولنكن صرحاء، فنحن بصدد موجة حمائية تجارية تنسف قواعد العولمة وحرية السوق، والإرهاب ليس سوى ذريعة لذلك، والأمر ينطوي على تأثيرات سلبية بالغة تفوق التجارة، بل تطال جدية الغرب في مكافحة الإرهاب ذاته!!.