انتفض العالم أجمع بسبب الفعل الشنيع الذي ارتكبه تنظيم داعش حين أقدم على حرق الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة، وجاءت ردود الفعل قوية مدوية من مختلف عواصم العالم.
ما أخشاه شخصيا، ومعي الكثيرون كما اعتقد، أن تتسبب وتيرة الأحداث المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط إلى تراجع الحماس العالمي الذي يستهدف مواجهة حقيقية وأكثر جدية لتنظيم داعش.
الشرق الأوسط منطقة حبلى يوميا بالاحداث وتكاد تصحو مع إشراقة كل يوم على وقع فاجعة او كارثة جديدة، فمنذ أيام قلائل فوجىء العالم بسيطرة الحوثيين انقلاب سافر على السلطة الحاكمة في اليمن، وبمرو الوقت والساعات والأيام بات هذا الوضع أشبه بواقع يدرس الكثيرون كيفية التعامل معه في الفترة المقبلة.
كثيرة هي الكوارث التي تفرض نفسها في هذه المنطقة خلال الفترة الراهنة، وداعش بممارساته الشنيعة بات يمثل أحد هذه الكوارث شأنه شان الحوثيين والقاعدة والاخوان المسلمين وغيرهم من عوامل الاضطراب وغياب الاستقرار في دول الشرق الأوسط.
الواقع يشير إلى أن هزيمة تنظيم داعش تتطلب عملا عسكريا قد يمتد لسنوات في حال اقتصر هذا العمل على الهجمات الجوية فقط بحسب تقديرات الخبراء الاستراتيجيين بل والسلطات الرسمية للدول الكبرى، وهذا السيناريو يعني في أحد جوانبه أن تظل دول المنطقة تعاني استنزاف هذا التنظيم طيلة السنوات المقبلة، فضلا عن التسليم بغياب دول رئيسية مثل العراق وسوريا عن قواعد اللعبة الاقليمية بسبب التردد والضعف وغياب الارادة الدولية، فضلا عن صراعات المصالح والحسابات المتباينة بين عواصم صناعة القرار الدولي.
أحد جوانب المشكلة أن الإدارة الامريكية لا تزال ترواح مكانها وتفتقر إلى قرار حاسم حول التعاطي مع إشكاليات الشرق الأوسط، خصوصا أن الوضع الراهن قد أربك حساباتها، فبات من الصعب تماما على واشنطن ان تنفض يديها من هذه المنطقة وتركز في شرق آسيا، كما بات من الصعب عليها أيضا الاعتماد على وكلاء محليين مثل إيران أو غيرهم كما كان يعتقد منذ نحو عام أو أكثر قليلا.
الانتخابات الرئاسية الامريكية نهاية العام المقبل باتت ايضا أحد المعوقات لحسم القرار الامريكي، فالرئيس أوباما لا يريد ربط اسمه وتاريخه بحرب برية جديدة ولا يريد مغادرة البيت الأبيض تاركا ورائه عشرات الآلاف من القوات الامريكية في العراق وسوريا، وهو الذي جاء إلى الرئاسة عبر بوابة سحب الجيوش الامريكية من أفغانستان والعراق. ويدرك أوباما تماما أن خصومه الجمهوريين يريدون دفعه دفعا إلى خوض حرب برية جديدة يسعى بالطرق كافة إلى تجنبها سواء لتاريخه الشخصي كحامل لجائزة نوبل أو من أجل تمهيد الطريق مجددا امام مرشح جديد من الحزب الديمقراطي.
هذه الحسابات لا تعني في واقع الأمر شيء لأن داعش لا يزال حقيقة تمثل خطرا على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، بل ويمثل خطرا داهما على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة فضلا عما يمثله التنظيم من خطر على الأمن والاستقرار العالمي بحكم ما يحمله من قيم مرفوضة انسانيا وحضاريا.
ما يفاقم تعقيدات التعامل مع داعش أن التنظيم ارتبط في خطط القوى الاقليمية بمستقبل النظام السوري، فلا أحد يقدر على سبيل المثال على معرفة نوايا إيران الحقيقة تجاه داعش كونها تراه قبلة الحياة لنظام الرئيس بشار الأسد، باعتبار أن ظهور التنظيم في هذا التوقيت القاتل قد وفر طوق نجاة للنظام السوري من الضغوط الدولية التي كانت تصر على إطاحته، بينما لا تزال دول أخرى تحاول إطاحة كل من داعش والأسد معا، فيما حاول فريق ثالث للفصل بين مستقبل الأسد من ناحية والمصير الذي تستحقه داعش من ناحية ثانية.
تنظيم داعش الذي يزخر ـ إلى جانب العناصر الارهابية المتطرفةـ بقيادات بعثية قادرة على قراءة الخريطة الجيوسياسية للأحداث في منطقة الشرق الأوسط يحاول توظيف هذه النعطيات جميعها لمصلحته مستخدما تكتيك الصدمة والرعب الذي ارتكز عليه الكتاب الشهير الصادر عن تنظيم القاعدة بعنوان "إدارة التوحش" والذي يطبقه تنظيم داعش حرفيا وكأن هذا الكتاب هو الاستراتيجية الوحيدة والحقيقية للتنظيم.
هذه التعقيدات وغيرها لا تبعث على التفاؤل كثيرا تجاه مستقبل الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ولكن يبقى الأمل في أن تشهد الفترة المقبلة تحركات أكثر جدية للقضاء على مصادر الخطر ومواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه معظم دول الاقليم.