من الواضح أن تنظيم داعش الارهابي يستغل التقدم والتطور التقني في مجال الاعلام بشكل يفوق تصورات الكثيرين، هذه الحقيقة رصدتها دراسة حديثة، أعدها فريق من الباحثين السعوديين في الإعلام الرقمي من جامعة الملك سعود، وذكرت أن تنظيم داعش يستهدف الشباب السعودي عبر الانترنت، مستغلا واقع أنهم يقضون معظم وقتهم على الشبكة العنكبوتية ليحاول تجنيدهم وضمهم إلى صفوفه، تماما كما يفعل مع أعداد كبيرة من الشباب العرب وممن يحملون جنسيات غربية أو شرق آسيوية.
والأخطر أن الدراسات المتخصصة تكشف وجود عناصر تنظيم داعش بكثافة من خلال عدد كبير من المواقع والمنتديات الإلكترونية، التي تحتوي على مكتبة هائلة وواسعة تختص بالأيديولوجيا والخطاب وآليات التجنيد والتمويل والتدريب والتخفي والتكتيكات القتالية وصنع المتفجرات، وكل ما يلزم "الإرهابيين".
منذ بدايات ظهور تنظيم داعش، وهو يعتمد بشكل مكثف على الاعلام الالكتروني ويحقق فيه تطورا نوعيا مغايرا لآليات تنظيم القاعدة الذي كان يستخدم أساليب عتيقة ولا تجذب الشباب او على الأقل شرائح معينة منهم ولا تفلح في تجنيدهم أو استقطابهم فكريا وأيديولوجيا، ولكن داعش تفادى هذه التقليدية في العمل ولجأ إلى آليات متطورة تقنياً بل ونشر أفكاره بلغات عالمية مثل الانجليزية والفرنسية والالمانية والروسية ولغة الأوردو وغيرها من اللغات الحية المنتشرة عالميا.
هنا مكمن الخطورة، فالدول العربية والاسلامية ربما تضع أنشطة تنظيم داعش تحت أعين الرقابة عبر لغة او اثنتان ولكن لا أحد يستطيع الجزم بأن هناك رقابة فاعلة لأنشطة داعش المنشورة بلغات مثل الأوردو وغيرها من اللغات التي يتحدث بها مئات الآلاف من العمالة الوافدة في دولنا من دون أن نمتلك أجوبة حازمة وشافية على مايدور في مثل هذه الأروقة التي تمثل تهديدا محتملا للامن والاستقرار في العالم العربي والاسلامي.
الاعلام الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي هي أحد نقاط قوة داعش، وهي حقيقة لا تقلل من الجهود التي تبذل للتصدي لأنشطة هذا التنظيم، ولكن الخطورة تنجم عن صعوبة ملاحقة التكاثر الفطري الهائل لأذرع الارهاب الاعلامية، وهو تكاثر ناجم عن دخول جيل الانترنت وانخراطه في انشطة الارهاب بعد انزواء الجيل التقليدي أو جيل الثمانينيات الذي كان يعتمد على تناقل أشرطة الفيديو وتسجيل الخطب ونشرها عبر الاعلام التقليدي والمواقع الالكترونية القديمة. وخطورة هذا الجيل الجديد تكمن في كونه يخاطب أجيالا مماثلة له عمريا وفكريا وقادر على استقطابها وجذبها لدائرة نشاطه سواء من خلال الاقناع الأيديولوجي أو من باب استغلال الفراغ الفكري وحالة التشوش الذهني التي تعانيها شريحة كبيرة من الشباب في بعض الدول العربية والاسلامية جراء استشعارها بانعدام الأمل في المستقبل بسبب الاوضاع الاقتصادية او التعليمية او الاجتماعية وغير ذلك.
هذه النقطة تحديدا تعني أن الحل أو البديل لمواجهة الارهاب والتطرف لا يمكن أن يأتي عبر استراتيجيات تنطلق من أحد جوانب الأزمة ولا تأخذ باعتبارها شمولية الحل والعلاج، فالمواجهة ينبغي أن تكون في مسارات متوازية وإلا فمن الصعب الحديث عن معالجات جدية على المدى البعيد.
لا يمكن أن ننتظر علاجا للارهاب من دون العمل على مسارات محددة في مقدمتها : تجديد الخطاب الديني واصلاح التعليم من خلال الاعتماد على الابداع والتفكير لا الحفظ والتلقين، واصلاح الاقتصاد وتوفير فرص العمل والتصدي للفساد والفقر والبطالة وتوفير السكن وانعاش الأمل في المستقبل لأجيال جديدة من الشباب.
هذه المسارات المتوازية (ثقافية فكرية اقتصادية اجتماعية) ليست مسؤولية مؤسسة بعينها أو هيئة أو وزارة محددة بل يجب أن تكون مسؤولية الدول وتقاس نتائج العمل فيها بدقة ومن دون محاباة او مجاملات لأن ثمن القصور سيكون فادحا للجميع، ويكفي أن كل التقديرات الاستراتيجية الغربية تشير إلى استمرار تنظيم داعش في تمدده ونشاطه خلال عام 2015 على أقل التقديرات، ما يعني أن المواجهة مع الفكر المتطرف ستستمر وتتواصل وربما تتوسع بغض النظر عن الخوض في جدل لا طائل من ورائه حول هذا التنظيم وارتباطاته بقوى غربية وغير ذلك من أمور تحيد عن الهدف الحيوي وهو تحصين مجتمعاتنا ودولنا ضد الارهاب والتطرف وتوفير مناعة فكرية للملايين من شبابنا ومراهقينا من التأثر بفكر الارهاب ناهيك عن الانضمام إلى هذه التنظيمات أو انتظار فرصة تنفيذ تعليماتها وتحقيق أهدافها.