كثيرة هي المؤتمرات والندوات والأنشطة البحثية والنقاشية التي تناولت موضوع التطرف والإرهاب من حيث الأسباب والجذور وآليات المواجهة، وهي أنشطة ممتدة تضرب بجذورها إلى عقود مضت، وتحديدا منذ تسعينيات القرن العشرين، حين اطل الإرهاب بجذوره في العديد من الدول العربية والإسلامية.
وقد أسهمت في تلك الأنشطة المؤسسات الدينية والمراكز البحثية والمعاهد والأكاديميات المتخصصة، وقدم الكثير منها توصيات ومقترحات وخطط انطلقت من رؤى وتصورات مختلفة في تحليل الظاهرة الإرهابية ومن ثم بلورة الخطط وتقديم المقترحات لمعالجتها.
وفي عام 2006، اعترفت استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب بأنه ”يمكن اعتبار مسألة إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب جزءا من الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز مكافحة الإرهاب“، وقد تم إنشاء مركز دولي تابع للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. ولكن مايتم، حتى الآن، على صعيد مكافحة هذه الظاهرة لا يرقى إلى مستوى خطورتها وتأثيراتها الاستراتيجية على الأمن والاستقرار العالميين.
هناك ثغرات عدة تعرقل جهود مكافحة الإرهاب، وهي ثغرات ترتبط في معظمها بتعدد أسباب الظاهرة ونشأتها وتكاثرها وانتشارها في دول العالم، فهناك أسباب مرتبطة بالتخلف التنموي وما يرتبط به من فقر وفساد وضعف التعليم وغير ذلك، وهناك أسباب ترتبط بأوضاع الأقليات المسلمة في الدول الغربية، وهناك أسباب تتعلق بممارسات التمييز الديني والطائفي والعرقي وغير ذلك، وهناك بطبيعة الحال الأسباب التقليدية المرتبطة بالاحتلال والظلم الذي تتعرض بعض الشعوب، كما يحدث بالنسبة للشعب الفلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي.
ربما لا تكون هذه الأسباب في مجملها هي منبع الإرهاب والتطرف، ولكن هناك أسباب أخرى تتعلق باتجاهات الأجيال الجديدة ووسائل الاتصال الحديثة والتطلعات التي أفرزتها العولمة وموجاتها وتطبيقاتها في مجال الاتصالات والإعلام وغير ذلك، وهي أسباب تنشأ جراء الصراع بين الواقع التنموي في معظم الدول العربية والإسلامية من ناحية، وتطلعات الشباب والأجيال الجديدة التي تشكل معظم سكان هذه الدول من ناحية ثانية.
أسباب الإرهاب تختلف إذا باختلاف المنطقة والظروف ولكنها تتفق في مردودها ونتيجتها بمعنى أنها تصب في خانة تزويد التنظيمات الإرهابية بما تحتاجه من كوادر وعناصر جديدة لا تدخر هذه التنظيمات جهدا في استقطابها وتجنيدها وتوجيهها إلى الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.
الواضح أن ظاهرة بحجم خطورة الظاهرة الإرهابية لا يمكن فصلها تماما عن الإشكاليات التي تعانيها معظم المجتمعات العربية والإسلامية، وفي مقدمتها ضعف التعليم وقصور الوعي الديني وترهل الخطاب الديني وتخلي المؤسسات الدينية عن مسايرة العصر والتطور التقني والتمسك بخطاب ديني متقادم وتعليم ديني متهالك لا يقدر على الصمود في مواجهة الحراك التقني والمعرفي الذي تعيشه الأجيال الجديدة، ناهيك عن ضعف التنمية وتدهورها في بعض الأحيان، والفقر والفساد وسوء الإدارة وغير ذلك من ممارسات تغلق أبواب الأمل في وجه الشباب وتوفر هامس حركة تستغله التنظيمات الإرهابية وتتحرك من خلاله باتجاه خطف عقول وقلوب شريحة ليست قليلة من الشباب والمراهقين في العديد من الدول العربية والإسلامية.
المخرج من هذه الدروب المعقدة التي تكاد تتشرنق حول إشكاليات نمطية محددة يكمن في ضرورة بلورة إنزال الاستراتيجيات التي تصدر عن المؤتمرات والفعاليات النقاشية إلى أرض الواقع والتوقف عن اجترار الأسباب والبحث والاستغراق فيها، كون هذه الأسباب باتت معروفة وتكاد تتشابه في حين تبدو الجهود المتعلقة بمعالجتها ضعيفة ولا تتناسب مطلقا مع وتيرة تغلغل التطرف والتشدد إلى عقول وأذهان الأجيال الشابة.
الإحصاءات تشير إلى أن تكلفة أزمة البطالة التي تبلغ معدلاتها نحو 17% في العالم العربي أي نحو 20 مليون عاطل عن العمل، تبلغ 50 مليار دولار سنوياً!! الأرقام أيضا تقدم لنا تفسيرات لا يمكن تجاهلها لهذه الحالة المتردية من البطالة والفشل الخططي، فعلى سبيل المثال لا تزيد نسبة الإنفاق على التدريبات التقنية والمهنية على 5% من الميزانية المخصصة للتعليم والتدريب في الدول العربية مقارنة مع 11% في الدول الصناعية في حين أن الدول العربية أحوج ماتكون إلى رفع معدلات الإنفاق في هذا المجال من أجل تنشيط التدريب التحويلي وإعادة التأهيل وغير ذلك من جهود مطلوبة لامتصاص معدلات البطالة المتزايدة بين الشباب.
ربما يكون ماسبق نموذج واحد على الفصل بين الاستراتيجيات والخطط، بمعنى أن الحديث عن مكافحة الإرهاب يمضي في اتجاه مواز لا يكاد يتقاطع مع الخطط التنموية الأخرى في المجتمعات العربية والإسلامية. وهناك أمثلة أخرى عديدة على ذلك لا يتسع المجال لذكرها ولكنها تسهم في تطويق ومحاصرة جهود مكافحة الإرهاب والحد من فاعليتها خصوصا مايتعلق بأنشطة نشر الفكر المتطرف في القرى والنجوع والأطراف البعيدة عن المراكز الحضرية التي تلقى القدر الأعظم من الاهتمام الحكومي والتنموي والتعليمي وغير ذلك.