يدرك من يتابع التطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط أن التنظيمات الإرهابية المتطرفة تحقق انتصارات معنوية وسياسية من خلال استغلال أجواء الصراع الإقليمي وما يكتنفها من تعقيدات وتشابكات في المصالح بين القوى والأطراف الإقليمية والدولية.
أحد أخطر المعابر التكتيكية التي تمر عبرها التنظيمات الإرهابية يتمثل في استغلال قاعدة "عدو عدوي صديقي"، فمن خلال هذه القاعدة وجدت التنظيمات الإرهابية نفسها تتموضع في مربع واحد وتقف على أرضية مشتركة مع دول تعتبرها معادية وتصنفها إرهابية!.
هناك مقالات رأي وتقارير ظهرت في الأيام الأخيرة في صحف غربية تدعو إلى تبني مبدأ "عدو عدوي صديقي" للتعامل مع الأزمات في الدول العربية، حيث اعتبر الصحفي باتريك كوكبيرن في صحيفة "اندبندنت أون صنداي" أن هذه الطريقة هي البديل الوحيد المتاح للتصدي للجماعات المتشددة التي تنتهج فكر تنظيم "القاعدة". ومع المآخذ التي تجعل من هذا البديل خطرا استراتيجيا في المديين القريب والبعيد، فإنه لا يعد خيارا مناسبا على الأقل من الناحية الأخلاقية، التي تخلو منها حسابات السياسة، ولكنها تبدو مطلوبة ـ وبإلحاح شديد ـ في بعض الملفات، لاسيما ما يتصل منها بالبعد العقائدي أو الأيديولوجي.
في سوريا والعراق على سبيل المثال، لا يمكن أن تكون مصالح الدول العربية في دعم ميلشيات شيعية من أجل محاربة تنظيم "داعش"!! وبالمعيار ذاته، لا يمكن أن تنطلق مصالح هذه الدول في اليمن من الرهان على دعم جماعة الإخوان المسلمين من أجل محاربة التمدد الحوثي!.
حسابات المنطق والمصالح الاستراتيجية للدول والشعوب العربية ينبغي أن تنطلق من الانتصار للدولة الوطنية وسيادتها وشرعيتها قبل أي شيء آخر، وهو أمر يتنافى مع أي محاولة لتعضيد مواقف الميلشيات والجماعات غير الشرعية، والتي توصف مفاهيمياً بالفواعل أو التنظيمات دون الدولة، والتي باتت مصدر التهديد الأخطر لسيادة الدولة الوطنية في منطقتنا العربية.
والمؤكد أن أحد مكامن الخطر بل احد أسباب تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة هو تحلل الدولة الوطنية وانتشار الفوضى بشكل فتح المجال أمام تكاثر التنظيمات والجماعات الطائفية والمذهبية التي تتقاسم صفة التطرف والإرهاب، وتتخذ من الدين شعارا وستارا فيما تستهدف جميعها الانقضاض على ما تبقى من نفوذ الدول ولعب دورها، ولعل ما يفعله حزب الله اللبناني يقدم المثال الواقعي الأفضل لذلك.
حسابات الدول العربية من الناحية الاستراتيجية لا يجب ولا يفترض أن تنطلق في حالات كهذه من رؤى قصيرة المدى ولا اعتبارات تكتيكية تعمل وفق مبدأ "عدو عدوي صديقي"، فسرعان ما سيجد الجميع أنفسهم في مواجهة هذا "الصديق" الذي سيسعى بالضرورة إلى ترجمة مشاركته في أي جهد عسكري إلى مكاسب سياسية تنتقص بدورها من شرعية الدول وتخصم من رصيد سيادتها ونفوذها الحقيقي.
المخرج إذا يكمن في الاعتماد على مبدأ مضاد هو "عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي"، وهذا المنطق في التفكير الاستراتيجي يراهن على الدولة الوطنية فقط ويحافظ على سيادتها ونفوذها ويتخذ من أي تنظيم إرهابي أو متطرف معاديا لهذه الدولة الوطنية بغض النظر عن حسابات المذهب والطائفة الدينية.
لاشك أنه من الصعب على الدول أن تتحرك وفق حسابات طائفية لأن مثل هذه الحسابات مجافية لفكرة الدولة ذاتها، وهذا هو أحد أسرار تحلل الدولة الوطنية وانهيارها في كثير من مناطق العالم العربي والإسلامي، فعندما تحضر الطائفية تغيب بالتبعية الدولة الوطنية، وتلك هي جدلية التاريخ بل هي أحد أبرز دروسه المستفادة على مر العصور.
وإذا كانت بعض القوى الإقليمية تتخذ الطائفية والطائفيين وكلاء لهم في كسب النفوذ والتمدد الاستراتيجي، فإن من الضروري التصدي لهكذا سياسات وليس مواجهتها بالسلاح ذاته، لأن في ذلك مكاسب لتنظيمات وميلشيات مضادة ترفض هي الأخرى منطق الدولة وتسعى إلى تعميق مظاهر الفوضى والاضطراب.